بول جانسن مخترع الفنتانيل

ألحقت أزمة الفنتانيل دمارًا هائلًا بالمجتمعات في جميع أنحاء العالم، خصوصا في الولايات المتحدة الأمريكية حيث صنفه الرئيس دونالد ترامب على أنه سلاح دمار شامل.

يُعدّ هذا المُسكّن الأفيوني الاصطناعي أقوى من الهيروين بخمسين ضعفًا، وأقوى من المورفين بمئة ضعف، وهو من أخطر أنواع المخدرات التي تُغذي وباء الإدمان المُعاصر.

لكن من أين أتى الفنتانيل، ومن المسؤول عن ابتكار هذا السلاح الذي يقتل سنويا نصف مليون انسان في الولايات المتحدة الأمريكية لوحدها؟

الدكتور بول جانسن مخترع الفنتانيل

لفهم جذور هذه الأزمة، لا بدّ لنا من استكشاف قصة الدكتور بول جانسن، الرجل الذي يُشار إليه غالبًا بـ”عراب الفنتانيل”.

مع أن اختراعه كان يهدف إلى الخير، إلا أن عواقبه غير المقصودة غيّرت وجه الإدمان إلى الأبد.

كان الدكتور بول جانسن عالم صيدلة بلجيكيًا ومؤسس شركة جانسن للأدوية، وبصفته باحثًا غزير الإنتاج، ساهم جانسن في تطوير أكثر من 80 دواءً، أحدث العديد منها ثورة في الطب الحديث.

تراوحت إنجازاته بين علاجات الفصام ومسكنات الألم المبتكرة، لقد كان إضافة جيدة لمجال الصحة والطب وتطوير الحلول وابتكاراته كانت حاسمة لمشاكل صحية كبرى.

وفي عام 1960، تمكن الدكتور جانسن وفريقه من تصنيع الفنتانيل لأول مرة، في ذلك الوقت، اعتُبر هذا الإنجاز نقلة نوعية في مجال إدارة الألم.

بفضل فعاليته وقوته، أصبح الفنتانيل مثاليًا لعلاج الآلام الشديدة، لا سيما في العمليات الجراحية ولدى المرضى المصابين بأمراض مزمنة كالسرطان.

اعتُبر ابتكار جانسن حلاً إنسانياً لحاجة طبية ملحة، إلا أن قصة الفنتانيل لم تنتهِ في غرفة العمليات، بل اتخذت منحىً خطيراً مع تفاقم إساءة استخدامه وإنتاجه غير القانوني وخروجه عن السيطرة.

صعود الفنتانيل في الطب

تمت الموافقة على استخدام الفنتانيل طبيًا عام 1968، وسرعان ما أصبح عنصرًا أساسيًا في التخدير.

وقد جعلته قدرته على تسكين الألم بفعالية عالية وبجرعات ضئيلة خيارًا مفضلًا في العمليات الجراحية والرعاية التلطيفية.

وبمرور الوقت، طورت شركات الأدوية لصقات الفنتانيل، وأقراص المص، وغيرها من وسائل توصيله، مما وسّع نطاق استخدامه لعلاج الآلام المزمنة.

دخل الدواء الاستخدام الطبي في الستينيات كمسكن قوي للألم تحت أسماء تجارية مثل Sublimaze وأشكال أخرى مثل لاصقات Duragesic للتخفيف من آلام السرطان أو الجراحة.

كان الهدف من تطوير الفنتانيل هو توفير مسكن يفوق المورفين والهيروين في الفعالية مع قابلية تمكن الأطباء من التحكم في الجرعات بدقة أثناء التخدير أو الألم الحاد. كان تركيز الابتكار منصبًا على تحقيق تخفيف آمن ومدروس للألم الشديد.

إساءة استخدام الفنتانيل

رغم الاستخدام الطبي المنظَّم، ظهرت شبهات سوء الاستخدام منذ السبعينيات عند بداية ظهور نسخ غير خاضعة للرقابة في عالم المخدرات.

تتعدد أصلًا طرق تصنيع هذه المادة في المختبرات غير القانونية، حيث غالبًا ما تُستعمل طرق مركّبة أبسط من طرق التصنيع الدوائي بهدف إنتاجها بكميات ضخمة غير مراقبة.

مع مرور الوقت، انتشرت أشكال بديلة من الفنتانيل في السوق غير المشروع، وتم خلطه مع عقاقير أخرى أو بيعه كبديل للهيروين، مما أدى إلى زيادة هائلة في حالات الجرعة الزائدة والوفيات.

في الولايات المتحدة وحدها ارتفعت حالات الوفيات من آلاف إلى عشرات الآلاف سنويًّا خلال العقد الماضي، وجعلت الفنتانيل العامل الرئيسي في أزمة الأفيونيات هناك.

هذا التحول يرجع جزئيًا إلى أن المادة أرخص وأسهل تصنيعًا من الأفيونات الطبيعية ولا تتطلب زراعة أو إنتاجًا بحريًا، ما يجعلها هدفًا جذابًا لشبكات المخدرات التي تستغل الطلب العالمي.

الفنتانيل كأزمة صحية وسياسية

في الضباب الدامي لهذه الأزمة، يرى كثير من الخبراء أن ما كان مخدرًا قويًا تحت إيحاء الاستخدام الطبي قد تحوَّل إلى مادة تسبب مئات آلاف الوفيات، ما يدفعه البعض لوصفه بأكثر من مجرد أزمة صحية بل أزمة اجتماعية وسياسية عابرة للحدود.

في خطوة غير مسبوقة، حكومات غربية، وعلى رأسها الإدارة الأمريكية الحالية، صعدت خطاب التعامل مع الفنتانيل من إطار الصحة العامة إلى إطار تهديد للأمن القومي.

قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصنيف الفنتانيل على أنه سلاح دمار شامل وهو تصنيف استثنائي للمرة الأولى في التاريخ الحديث، لم يطَبَّق إلا على أسلحة نووية أو كيماوية.

ترمب صرح في البيت الأبيض أن «الفنتانيل أقرب إلى سلاح كيميائي مما هو مخدر»، وأن المواد المخدِّرة التي تغمر المجتمع تمثّل تهديدًا عسكريًا مباشرًا».

هذه اللغة تمكّن الإدارة من توسيع صلاحيات الجيش والأجهزة الأمنية بما في ذلك تدخلات مضادة لتهريب وحرق شبكات الإنتاج غير القانوني، خصوصًا في أميركا اللاتينية وفي أماكن تصنيع المواد الأولية.

إرث بول جانسن

توفي الدكتور بول جانسن عام 2003 قبل سنوات من تحوّل إساءة استخدام الفنتانيل إلى أزمة عالمية.

مع أنه لا يُحمّل مسؤولية أفعال مُصنّعي المخدرات غير المشروعة، إلا أن ابتكاره يُذكّرنا بوضوحٍ بالطبيعة المزدوجة للتقدم العلمي.

كما تُثير قصة جانسن تساؤلاتٍ هامة حول المساءلة في صناعة الأدوية وأبرزها: كيف يُمكن تنظيم التطورات الطبية بشكلٍ أفضل لمنع إساءة استخدامها؟ ما هي مسؤوليات المخترعين والشركات عند إساءة استخدام منتجاتهم؟

قصة “عراب الفنتانيل” ليست قصة شر، بل قصة عواقب غير مقصودة.

كان ابتكار الدكتور جانسن يهدف إلى تخفيف المعاناة، لكنه تحوّل إلى أداة دمار عندما وقع في الأيدي الخطأ، ومن المتوقع أن تشتد الحرب على هذا المخدر خارج المختبرات والمستشفيات ليكون محصورا على الإستخدام الطبي فقط.