
في أعقاب اغتيال الناشط المحافظ تشارلي كيرك في 10 سبتمبر 2025، عادت الأنظار إلى صراع قديم داخل اليمين المتطرف في الولايات المتحدة، وخاصة بين كيرك وحركة “غرويبر” التي يقودها القومي الأبيض نيك فونتيس.
كيرك، البالغ من العمر 31 عامًا، أُطلق عليه النار أثناء حديثه في جامعة يوتا فالي، في أوريم بولاية يوتا، أمام حشد يبلغ 3000 شخص.
أعلن حاكم يوتا، سبنسر كوكس، الجمهوري، أن هذا “اغتيال سياسي”، ووصفه الرئيس دونالد ترامب بأنه “يوم مظلم للأمة”.
الآن، مع اعتقال المشتبه به، تايلر روبنسون (22 عامًا)، الذي أدلى بعلامات تشير إلى انتمائه إلى اليمين المتطرف، أصبحت حركة غرويبر في دائرة الضوء مرة أخرى.
على وسائل التواصل، يتساءل الكثيرون عن الروابط المحتملة بين القاتل وفونتيس، الذي كان يصف كيرك بـ”الفاشي” و”حارس البوابة” للمحافظة التقليدية غير الراديكالية بما فيه الكفاية.
رغم أن التحقيقات لا تزال جارية، إلا أن الدلائل الأولية – بما في ذلك كتابات على طلقات الرصاص مثل “يا فاشي، خذها” و”Bella Ciao” (التي تُستخدم في قوائم تشغيل “حروب غرويبر”) تشير إلى أن القاتل كان متأثرًا بحركة غرويبر، التي تُعتبر فرعًا متطرفًا من اليمين يستهدف حتى المحافظين “الناعمين” مثل كيرك.
هذا الاغتيال ليس مجرد جريمة فردية، إنه يعكس انقسامات عميقة داخل اليمين المتطرف، حيث تُتهم حركة غرويبر بتجنيد الشباب عبر الإنترنت ودفعهم نحو العنف، فيما يلي تفصيل جريء ومفصل لما هي هذه الحركة، جذورها، وتأثيرها الخطير.
التاريخ والأسس: من الإنترنت إلى الشوارع
نشأت حركة غرويبر، المعروفة أيضًا باسم “جيش غرويبر” أو “أمريكا أولًا”، كحركة قومية يمينية متطرفة في الولايات المتحدة، بدأت عبر الإنترنت في 2019 قبل أن تنتقل إلى العالم الحقيقي.
اسم “غرويبر” مستمد من صورة ضفدع غرويبر، وهي نسخة عنصرية مشفرة من ميم “بيبي الضفدع” الشهير، الذي ارتبط باليمين البديل (alt-right) يصف أعضاؤها أنفسهم كقوميين أمريكيين، لكنهم يشاركون معتقدات اليمين البديل: تفوق العرق الأبيض، معاداة السامية، ورفض الديمقراطية الليبرالية.
ما يميز غرويبر هو تركيزهم على تجنيد جيل Z (الشباب تحت 25 عامًا)، مستغلين إحباطاتهم من السياسة التقليدية ليبنوا قاعدة دعم شابة ومتشددة.
تعود جذورها إلى تاريخ اليمين البديل، الذي صاغ مصطلح “alt-right” ريتشارد سبنسر، زعيم المعهد الوطني للسياسات (مؤسسة يمينية متطرفة).
في 2017، أدى تجمع “توحيد اليمين” في شارلوتسفيل، فيرجينيا، إلى مقتل الناشطة المعادية للفاشية هيذر هاير عندما دفع سائق قومي أبيض سيارته في حشد المتظاهرين، صارخًا “اليهود لن يحلون محلنا”.
هذا الحدث دفع اليمين البديل إلى الظلام، مع إغلاق مواقع وفقدان وظائف، مما جعل غرويبر يعيد تسويق الإيديولوجيا نفسها بطريقة “أكثر قبولًا”: بدون العنف الصريح، لكن مع الحفاظ على النواة العنصرية.
يرى أعضاؤها أن فشل سبنسر كان بسبب ابتعاده عن المسيحية التقليدية، لذا يركزون على “القومية المسيحية” كغلاف لأفكارهم المتطرفة.
في 2019، اندلعت “حروب غرويبر”، حيث قام أتباع فونتيس بتعطيل فعاليات منظمة “نقطة التحول الأمريكية” (TPUSA) التابعة لكيرك، مطالبين بمواقف أكثر تطرفًا حول الهجرة وحقوق المثليين.
كان كيرك هدفًا رئيسيًا، متهمًا بأنه “غير راديكالي بما فيه الكفاية” و”يحمي اليسار من خلال تجاهل الديموغرافيا البيضاء”.
هذا الصراع لم ينتهِ في 2024، أعلن فونتيس “حرب غرويبر جديدة” ضد حملة ترامب، مطالبًا بسياسات أكثر تطرفًا مثل حظر الهجرة “من العالم الثالث” ورفض الحرب مع إيران.
حتى في 2025، يدعي فونتيس أن “غرويبر فازوا” بعد أن تبنى بعض المؤثرين المحافظين مواقفهم العنصرية.
الإيديولوجيا والأهداف: قومية بيضاء مسيحية متطرفة
إيديولوجيا غرويبر هي مزيج متشدد من اليمين البديل: قومية بيضاء، نازية خفية، ومسيحية تقليدية تُستخدم كسلاح ثقافي. يؤمنون بأن أمريكا يجب أن تكون “أولًا” من خلال:
- إنهاء الهجرة تمامًا: يرونها تهديدًا للأغلبية البيضاء، مما يعزز التصويت الديمقراطي. يصفون اليمين التقليدي بـ”كونسرف إنك” (المحافظة المؤسسية) كضعيفة لتجاهلها هذا.
- رفض القيم “الليبرالية“: معارضة حقوق المرأة، المثليين، والعولمة، مع التركيز على “القيم المسيحية التقليدية” مثل تفوق الذكور ودور المرأة في المنزل.
- معاداة السامية والعنصرية الوراثية: ينكرون الهولوكوست ويحتقرون اليهود والصهيونية، ويعتقدون في فروق جينية بين الأعراق في الذكاء والسلوك، يصفون عنصريتهم بأنها “ضرورية لحفظ الهوية الأوروبية الأمريكية”، وليست كراهية.
يستغلون انقسامات اليمين لجذب المحافظين المحبطين، مدعين أنهم “المختارون من الله” لدفع الحدود السياسية، في وثائقي يوتيوب من 2023، وصف المؤثر اليميني أوليفر كينغ غرويبر بأنهم “يغمسون في اليمين المتطرف دون الجماليات النازية”، لكن هدفهم هو توسيع “المواضيع الممنوعة” مثل الذكاء الوراثي للسود، الذي يدعون أنه “أقل” بسبب “الفروق الجينية”.
هذه الأفكار ليست نظرية إنها تُروج عبر بث “أمريكا أولًا” اليومي لفونتيس، الذي يجمع ملايين المشاهدات.
النهج في المقاومة: الترولينغ والعنف الافتراضي-الحقيقي
بعد طردهم من يوتيوب وتويتر، انتقل غرويبر إلى منصات مثل Cozy.tv، حيث لا قيود على المحتوى.
يعجب فونتيس بستالين وبوتين كـ”معارضين للنظام الأمريكي”، ويتنبأ بـ”قائد قوي” ينهي الفوضى عبر ديكتاتورية.
نهجهم هو “الترولينغ”: بدأ عبر الإنترنت بميمات عنصرية، ثم انتقل إلى الواقع في 2019، حيث قاموا بإهانات عنصرية ومثلية في فعاليات TPUSA، مطالبين الجمهور بـ”البحث عن ميم معادٍ للسامية”.
يشاركون في مؤتمر AFPAC (بديل CPAC)، الذي استضاف في 2022-2023 شخصيات مثل مارجوري تايلور غرين وستيف كينغ.
لكن في 2022، انشق بعض القادة مثل جيدن ماكنيل، مما أضعف الحركة قليلاً، لكنها عادت في 2025 مع حملات ضد ترامب.
فونتيس نفسه، البالغ 26 عامًا، هو نجم البث المباشر، نازي معترف، منكر للهولوكوست، ومعجب بموسوليني.
يصف نفسه بـ”incel” (غير قادر على الزواج) و”متفوق ذكوري”، مستغلًا إحباطات الشباب حول الجنس لجذبهم إلى السياسة المتطرفة.
في بث 2021، قال: “الطوائف هي المكان الوحيد للولاء”، اتهمه حليفه السابق باتريك كيسي ببناء “جو طائفي”، وفي 2025، التقى بـ”يي” (كانييه ويست) مرة أخرى، مدعيًا أنه يمثل “القيم المسيحية الحقيقية”.
العلاقات والتحالفات: عزلة متعمدة
تقف “أمريكا أولًا” في معارضة للحزب الجمهوري، وتصف أعضاءه بـ”cuckservatives” (محافظون جبناء).
لا تشكل تحالفات رسمية، لأنها حركة لامركزية بدون اجتماعات أو سياسات، مما يجعلها صعبة الاختراق.
يرفضون اليمين البديل القديم (مثل براود بويز) كـ”لادينيين” أو “ذوي مظهر سيء”، مفضلين نسخة “أنيقة” ترتدي بدلات مع الكاثوليكية التقليدية، هذا يسمح لهم بالنمو عبر الإنترنت، لكنه يعزلهم، مما يجعلهم يعتمدون على الترولينغ بدلاً من التنظيم.
اغتيال كيرك ليس حادثًا معزولًا، إنه ثمرة لسموم غرويبر، التي تحول الشباب إلى متطرفين يرون العنف كوسيلة لـ”تنقية” اليمين. مع اعتقال روبنسون – ابن مشرف شرطة جمهوري، لكنه تبرع لترامب ويبدو متأثرًا بفونتيس – يجب على السلطات التحقيق في “حروب غرويبر” كمصدر للعنف.
فونتيس، الذي حزن على كيرك علنًا لكنه هاجمه سابقًا، يواجه الآن تدقيقًا أكبر، هذه الحركة ليست مجرد ميمات؛ إنها جيش إلكتروني يدفع أمريكا نحو حرب أهلية ثقافية، حيث يصبح اليمين يأكل بعضه بعضًا.
في زمن يشهد اغتيالات سياسية متكررة – من محاولات على ترامب إلى مقتل قادة يسار – يجب أن تكون غرويبر إنذارًا: المتطرفون لا يتوقفون عند اليسار، إنهم يستهدفون أيًا يرونهم “خونة”.
