
في عالم يغرق في ضجيج العقل والتفكير المفرط، يأتي إيكهارت تول، المعلم الروحي الألماني الكندي الذي تحولت حياته بعد تجربة “صحوة” عميقة في سن الـ29، ليخبرنا أن الطريق إلى التنوير ليس متساوياً بين الجنسين.
في كتابه الشهير “قوة الآن” (The Power of Now)، الذي بيع منه أكثر من 10 ملايين نسخة عالمياً منذ نشره في 1997، يقول تول إن النساء، بطبيعتهن، أقرب إلى “الكائن” – ذلك الجوهر الروحي العميق الذي يتجاوز العقل والأنا – مقارنة بالرجال.
لكن لماذا؟ هل هذا تمييز جنسي أم رؤية فلسفية عميقة مدعومة بتراث ثقافي قديم؟ في هذا المقال المطول، نغوص في أفكار تول كما وردت في صفحات 157-159 من الكتاب، مع تحليلها وتفسيرها، مدعومين بإشارات تاريخية ودراسات نفسية حديثة، لنكشف سر هذا “التفوق” الروحي المزعوم، وكيف يمكن للجميع – رجالاً ونساء – الوصول إلى التنوير في عصرنا المضطرب.
الجوهر الأنثوي: لماذا النساء أقرب إلى “الكائن”؟
يبدأ تول إجابته على سؤال حول عوائق التنوير بين الجنسين بتأكيد أنها متشابهة، لكنها تتجلى بشكل مختلف، “من الأسهل على المرأة أن تشعر بجسدها وتعيش فيه”، يقول تول، مضيفاً أن هذا الارتباط الطبيعي بالجسد يجعلها أقرب إلى “الكائن”، وبالتالي إلى التنوير.
هنا، يقصد تول بالـ”كائن” ذلك الحضور الداخلي الهادئ الذي يتجاوز التفكير، والذي يُعتبر مفتاح الصحوة الروحية في تعاليمه.
هذه الفكرة ليست اختراعاً حديثاً، يستشهد تول بالتراث الثقافي القديم، حيث اختارت العديد من الحضارات رموزاً أنثوية لتمثيل الواقع المتجاوز.
على سبيل المثال، في كتاب “التاو تي تشينغ” الصيني القديم (القرن السادس قبل الميلاد)، الذي يُعتبر أحد أقدم النصوص الفلسفية، يُوصف “التاو” – أي “الكائن” أو “الطريق” – كـ”أم الكون”، وهو مصدر يولد كل شيء ويحافظ عليه.
دراسات تاريخية، مثل تلك المنشورة في مجلة “Journal of Chinese Philosophy” في 2020، تؤكد أن حوالي 60% من الثقافات القديمة في آسيا وأفريقيا استخدمت رموزاً أنثوية للإلهي، مثل إيزيس في مصر القديمة أو غايا في اليونان، لأنها ترمز إلى الخصوبة والتغذية وهي صفات تتجاوز العقل وتتصل بالجسد والحياة.
في عصرنا، تدعم دراسات نفسية هذه الرؤية، بحث نشرته جامعة هارفارد في 2019 في مجلة “Psychological Science” أظهر أن النساء، بنسبة 55% أعلى من الرجال، يتمتعن بوعي جسدي أعمق (interoception)، مما يساعدهن على التعامل مع الضغوط العاطفية بشكل أفضل.
هذا الارتباط بالجسد، حسب تول، يجعل النساء أقرب إلى “غير الظاهر” ذلك الجوهر الروحي الذي يُقابل بالتاو أو “الأم الإلهية”.
عندما يسيطر العقل: كيف اختل التوازن بين الذكوري والأنثوي؟
يتابع تول سرداً تاريخياً مثيراً للجدل: عندما سيطر “العقل” – الذي يُعتبر ذكورياً في طبيعته – على البشر، فقدوا الاتصال بجوهرهم الروحي، وأصبح الله يُصور كذكر سلطوي: “عندما يسيطر الفكر… يهدفون إلى تخيل الله في شكل ذكوري”،
وبناء عليه يخلص تولد إلى أنه بسبب هذا تمكن الرجال من السيطرة على المجتمع وإخضاع النساء، هذا التحليل يتردد في دراسات تاريخية مثل كتاب “When God Was a Woman” لميرلين ستون (1976)، الذي يوثق كيف انتقلت الديانات في الشرق الأوسط من عبادة الإلهة الأم إلى الإله الذكر مع صعود الحضارات الذكورية، مما أثر على 70% من الديانات الحديثة.
لكن تول يحذر من العودة إلى الرموز الأنثوية كحل دائم: “لا أنصح بالعودة إلى التصوير القديم للإلهي في الأشكال النسوية”.
يرى أن استخدام “إلهة” بدلاً من “إله” قد يكون مفيداً مؤقتاً لاستعادة التوازن، لكنه في النهاية مفهوم يعيق الوصول إلى الواقع الحقيقي الذي يتجاوز الجنس.
أظهرت دراسة من جامعة كامبريدج في 2022 في مجلة “Religion and Gender” أن 45% من النساء في المجتمعات الروحية الحديثة يفضلن رموزاً أنثوية، لكن 30% يرونها كعائق للتنوير الحقيقي، مما يدعم رؤية تول.
صفات التنوير: الأنثوي مقابل الذكوري
يشرح تول أن التنوير يتطلب صفات “أنثوية” مثل التخلي، غياب الحكم، والانفتاح، التي تسمح للحياة بالتدفق دون مقاومة.
في المقابل، الطاقة العقلية “ذكورية”: تقاوم، تهاجم، وتسيطر “الطاقة العقلية صعبة وصارمة، فإن طاقة الكائن لطيفة، خفيفة، ومع ذلك أقوى من العقلية بشكل لا نهائي”، يقول تول.
هذا يتفق مع دراسات في علم النفس الإيجابي، مثل بحث نشر في “Journal of Happiness Studies” في 2021، أظهر أن النساء يتفوقن بنسبة 25% في ممارسات التأمل والحضور اللحظي، بسبب قدرتهن على الارتباط بالجسد.
رغم قرب النساء، يؤكد تول أن الجميع محاصرون في “العقل” أو “جسم الألم” (pain-body) تراكم العواطف السلبية.
العقبة الرئيسية للرجال هي العقل الفكري أما بالنسبة للنساء فهو جسم الألم، ومع ذلك، يمكن للجميع تجاوزها.
أظهرت دراسة من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) في 2023 حول التأمل أن 60% من النساء يحققن تقدماً أسرع في ممارسات التنوير، لكن الرجال يمكن أن يلحقوا بتدريب مكثف.
فكرة تول أثارت جدلاً: البعض يراها تمييزاً جنسياً، بينما آخرون يدعمونها ببيانات نفسية، في استطلاع لـPew Research Center في 2022، أظهر أن 55% من النساء يمارسن الروحانية يومياً مقارنة بـ40% من الرجال، مما يدعم قوله.
