قصة حروب الغاز الطبيعي والنهاية المأساوية

قصة-حروب-الغاز-الطبيعي-والنهاية-المأساوية قصة حروب الغاز الطبيعي والنهاية المأساوية

لا شك أن النفط ليس له مستقبل وسنوات مجده انتهت تقريبا، لذا فالحروب تشتد على الغاز الطبيعي بين الدول التي لا تنظر للمدى البعيد، بينما الدول الذكية تتسابق نحو الطاقات النظيفة والمتجددة.

اليوم لم يعد الحصول على النفط صعبا، كما أن سعر برميل الذهب الأسود انهار في وقت سابق من هذا العام إلى أقل من 0 دولار، ورغم تعافي الأسعار من الصعب أن يعود النفط إلى 100 دولار وما بعده.

مخازن النفط في الصين والولايات المتحدة وأوروبا ودول العالم ممتلئة، وهناك ناقلات نفط ممتلئة متجمعة في الموانئ الصينية، وحتى بكين لديها قدرة لإنتاجه وتصديره.

وفي البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود أيضا هناك أنشطة تنقيب متزايدة عن الغاز في عمق البحر، وهناك تقارير تتحدث عن احتياطات هائلة من هذه المادة، وهو ما يشكل خبرا جيدا لكل من تركيا وسوريا ولبنان وفلسطين وإسرائيل ومصر وليبيا وتونس وإيطاليا وقبرص والجزائر.

يمكن لهذه البلدان إيجاد الغاز الطبيعي وانتاجه وتحقيق الإكتفاء الذاتي وربما أيضا تصديره إلى دول أوروبا المتعطشة لهذه المادة خصوصا في الأشهر الباردة.

هذه الرقعة الجغرافية الواسعة هي مكان حروب الغاز الطبيعي وثورات شعبية تطالب بتحسين الحياة والمعيشة سريعا ما تتحول إلى ساحات صراعات بين القوى المتصارعة في الإقليم.

  • الصراع على تصدير الغاز نحو أوروبا

الصراع-على-تصدير-الغاز-نحو-أوروبا قصة حروب الغاز الطبيعي والنهاية المأساوية

لطالما كانت روسيا المصدر الأساسي للغاز الطبيعي إلى أوروبا، فهي قريبة من الدول الأوروبية جغرافيا واستطاعت بناء بنية تحتية قوية لنقل الطاقة إلى تلك الأسواق المتعطشة لها.

هذا الوضع لا يروق لكل من بريطانيا وألمانيا وفرنسا، الذين يرون أن اعتمادهم الأساسي على موسكو يهدد أمنهم القومي، ويمكن للجار الشرقي أن يقطع عنهم الغاز ويتركهم يموتون بالبرد في الشتاء أو يعودون إلى الطاقات التقليدية الملوثة جدا للبيئة.

كما أن الوضع نفسه لا تراه الولايات المتحدة الأمريكية جيدا لها، إذ ان صادرات الغاز الروسي تشكل مصدرا مهما للعملة الصعبة بالنسبة لعدوها اللدود.

تزود شركة غازبروم التي تملك غالبية الغاز في روسيا حوالي 40٪ من إجمالي واردات الغاز الأوروبية من خلال ثلاثة خطوط أنابيب رئيسية: نورد ستريم 1، وخط أنابيب آخر يمر عبر أوكرانيا، وخط ثالث عبر روسيا البيضاء.

وقد أصبحت ألمانيا أكبر مستهلك للغاز الروسي وتعتمد عليه بقية الدول الأوروبية، والتي بالرغم من كل محاولات إيجاد بدائل إلا أنها تغرق أكثر في الصادرات الروسية.

تعتمد أوروبا أيضا على استيراد الغاز من قطر والجزائر والنرويج وحتى الولايات المتحدة الأمريكية، لكن يظل الغاز الروسي هو الأفضل لأنه أرخص ومتوفر بقوة.

لذا من الواضح أن هناك أسباب عديدة وأطراف متنوعة لا تريد أن يستمر هذا الوضع طويلا وقد بدأت هذه الرغبة تتضح ابتداء من عام 2009.

لهذا تهدف موسكو إلى منع وصول المزيد من الغاز من أطراف أخرى إلى أوروبا لهذا منعت إنشاء خطوط أنابيب كبرى كانت ستأتي من قطر وكردستان وأذربيجان ودول أخرى وتمر عبر تركيا إلى الإتحاد الأوروبي.

الفكرة الوحيدة التي انفتحت عليها موسكو هي استيراد الغاز لأوروبا من ايران مرورا بالعراق وسوريا ونحو البحر إلى أوروبا، حيث ستسفيد شركاتها التي ستعمل في المشروع وستضمن مراقبة الكميات التي يتم ضخها، كما أن الصين ستعمل في المشروع هي الأخرى.

  • الثورة السورية في قلب حروب الغاز الطبيعي

في عام 2009 اتفقت قطر مع تركيا على إنشاء مشروع طموح لنقل الغاز القطري إلى أوروبا، غير أن التحدي الوحيد بالنسبة لهما هو اقناع دمشق بذلك كي تمر الأنابيب شمال سوريا نحو تركيا ومنها إلى أوروبا.

المشروع التجاري في ظاهره سياسي أيضا في عمقه حيث سيقتل روسيا التي عادت للصعود مجددا، والتي لا يكفيها تصدير الغاز إلى الصين وأسواق أخرى.

إلا أن رد صديق أردوغان وحمد آل ثاني جاء صادما، انتهى اجتماعهما بالرئيس السوري بشار الأسد بدون نتائج، حيث تدافع دمشق عن مصالح روسيا حليفتها الأساسية في المنطقة.

لاحقا اندلعت الثورة السورية ضمن حراكا شعبي عم دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، سريعا ما تدخلت دول أخرى واستغلتها وحولتها إلى صراعات مسلحة دامية.

تدخلت روسيا لحماية حليفها ومصالحها، وهي تدرك أن سقوط دمشق سيقضي على صادراتها من الغاز إلى أوروبا حيث سيأتي البديل القطري.

استغلت تركيا وقطر الثورة للإنتقام من النظام السوري ورفضه الصفقة، وعملا كل شيء كي تسقط دمشق، بل وأيضا كي يصبح شمال سوريا تحث النفوذ التركي لتمر منها أنابيب الغاز القطري.

  • اكتشاف الغاز الطبيعي في البحر الأبيض المتوسط غير اللعبة

مع اكتشاف الغاز الطبيعي في سواحل لبنان وفلسطين وإسرائيل وبمناطق قريبة من ليبيا ومصر وإيطاليا وقبرص وتزايد فرص اكتشاف المزيد منه، ظهر صراع آخر، وهو الخلافات الحدودية بين الدول التي تطل على هذا البحر.

خلافات تركيا مع اليونان هذه الأيام أبرز مثال على ذلك وهناك أيضا مشاكل بين مصر وتركيا وبين الحكومة الموالية لهذه الأخيرة مع مصر التي تدعم نظاما قريبا لها في ليبيا.

  • الصراع في ليبيا

يقول البعض أن الصراع في ليبيا هو حول النفط، ربما هذا صحيح لكن الأهمية بالنسبة للدول المتصارعة هي أن تكون هناك حكومة موالية لها وتستفيد اقتصاديا من توظيف شركاتها للتنقيب على النفط والغاز.

المنطقتين الغربية والجنوبية تملكان أكثر من 68 بالمائة من إنتاج الغاز الطبيعي في ليبيا، وهناك يحتدم الصراع أكثر بين تركيا ومصر.

تمتلك ليبيا احتياطات ضخمة من الغاز الطبيعي تبلغ 55 ترليون قدم مكعبة، أو ما يقارب ضعف احتياطات حقل الظهر المصري والبالغة نحو 30 ترليون قدم مكعبة، غير أنها غير مستغلة ولا تزال هذه البلاد تركز على تصدير النفط.

من الأكيد أن الشركات الأجنبية والعالمية المتخصصة في التنقيب على الغاز تنظر إلى ليبيا باهتمام كبير، ويمكن أن تتلقى الدولة بعد نهاية الحرب الأهلية عروضا استثمارية ضخمة مقابل الحصول على امدادات الغاز والمشاركة في استغلال هذه الآبار.

لدى ليبيا حقلين لاستخراج الغاز في سواحلها وهناك فرص لاكتشاف المزيد من هذه المادة، وفي حال نجحت تركيا بهذا البلد ولديها حكومة موالية لها تحكم البلد من غربه إلى شرقه، فمن غير المستبعد أن نرى مشروعا لنقل الغاز من ليبيا إلى تركيا بحريا ويضمن لها الحصول على احتياجاتها وتصدير كميات إلى أوروبا.

من الواضح أن من يسيطر على ليبيا سيكون ملك الغاز والنفط الهائل الموجود في هذا البلد وفي سواحله ومنطقته البحرية الواسعة.

  • النهاية المأساوية لحروب الغاز الطبيعي

من الأكيد أن حروب الغاز الطبيعي أدت إلى دمار كل من سوريا وليبيا، وحتى في لبنان ظهرت أطماع بعض الدول خصوصا على مرفأ بيروت، حيث ترغب بعض الدول في بيناء ميناء كبير كاستثمار بموجبه يمكن استغلال السواحل في التنقيب على الغاز واستخراجه.

تركيا أبدت الاهتمام بذلك بينما فرنسا ترفض أن تتدخل أنقرة في بلد كان في الماضي القريب مستعمرة لها، وتريد تركيا بعرضها أن تعوض فشلها في السيطرة على ميناء طرطوس، حيث لو سقط النظام السوري فإن النظام الجديد ستكون مهمته طرد روسيا وجلب الأتراك.

تنفق الدول المتحاربة مليارات الدولارات وتتسابق على كنز موجود تحث البحر أو يمكن أن يأتي من قطر إلى أوروبا، إلا أنه في الواقع هذا الكنز تتراجع قيمته عاما بعد عام.

أصبحت قضية مصادر الطاقة المتجددة مع التخزين أكثر إقناعًا من الناحية الاقتصادية، يقول هاري مورغان كبير المحللين في Rethink Technology Research، إن عام 2025 هو العام الأول الذي تتوقع فيه الشركة أن تقوض مصادر الطاقة المتجددة الغاز الطبيعي، في البداية في الصين.

بحلول عام 2030، سيكون تركيب وتشغيل محفظة جديدة من مصادر الطاقة المتجددة والتخزين أرخص من التوربينات الغازية الحالية.

يبلغ عمر هذه التكنولوجيا 20-30 عامًا، وهو ما يأخذك حتى عام 2050 عندما يُتوقع أن تكون أوروبا على وجه الخصوص محايدة للكربون.

وفيما لا تزال حروب الغاز مستمرة، قد يأتي وقت تصبح فيه الطاقة النظيفة والمتجددة سيدة الموقف في السوق الأوروبية وأسواق أخرى مثل الصين والولايات المتحدة، وهذا الوقت لم يعد بعيدا، وحينها ستدرك الدول المتنازعة أنها كانت تنفق أموالها في سبيل وهم الثراء.

الدول الذكية تستثمر بشكل متزايد في الطاقة النظيفة وتقليل الانبعاثات الملوثة للبيئة، أما الدول التي لا تنظر إلا إلى الحاضر ولا تستطيع رؤية المستقبل فهي تتحارب على شيء لن تكون له أهمية غدا.

إقرأ أيضا:

هل حان وقت شراء أسهم ارامكو السعودية؟

حقيقة اكتشاف تركيا للغاز ومسرحية أردوغان

بريتيش بتروليوم تنتقل إلى عصر الطاقة النظيفة وتترك النفط والغاز

انهيار أسعار الغاز الطبيعي إلى 0 دولار والأسعار السلبية

— دعمك لنا يساعدنا على الإستمرار —

تابعنا على تيليجرام للتوصل بأحدث المقالات والمنشورات أولا بأول بالضغط هنا.

يمكنك أيضا متابعتنا على تويتر من هنا، وبإمكانك أيضا متابعتنا على فيس بوك من هنا.

لا تنسى دعمنا بمشاركة المقال على حساباتك الإجتماعية ومع أصدقائك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.