
لم تعد العبودية في أفغانستان مجرّد شبهة أخلاقية أو ممارسة هامشية تُنكرها السلطة، بل باتت وفق وثائق قانونية متداولة جزءًا من لغة القانون نفسه.
فالقانون الجنائي الجديد الذي عمّمته طالبان على محاكمها لا يكتفي بتجاهل المعايير الدولية، بل يُعيد إحياء مصطلحات تُقسّم البشر قانونيًا إلى «حر» و«عبد»، في خطوة تُنذر بترسيخ نظام تمييزي مغلّف بالدين، ويكشف بوضوح طبيعة المشروع السياسي الذي تحكم به طالبان البلاد.
أعلنت منظمة رواداري الحقوقية أنها حصلت على نسخة من قانون العقوبات الجديد المعتمد من زعيم طالبان الملا هبة الله آخوند زاده، ويتكوّن من 119 مادة.
اللافت في هذه الوثيقة ليس فقط تشددها العقابي، بل استخدامها المتكرر لمصطلح «غلام» (عبد) في مواد مختلفة، بما يمنح العبودية وضعًا قانونيًا معترفًا به داخل المنظومة القضائية التي تديرها الحركة.
تتضمن المواد إشارات صريحة إلى تطبيق الحدود والعقوبات على «الحر أو العبد»، وهو تمييز قانوني يُفترض أنه اندثر مع إلغاء الرق عالميًا، لكنه يعود اليوم بصيغة «شرعية» داخل دولة تحكمها جماعة دينية مسلحة.
رغم الجدل الواسع الذي أثاره القانون، لم تُصدر طالبان إعلانًا رسميًا يُقرّ صراحة بإعادة نظام «الغلام» التاريخي، الذي ارتبط في الذاكرة الأفغانية باستعباد الأطفال للخدمة أو لأغراض جنسية.
إلا أن غياب الإعلان لا يعني غياب الفعل؛ فالقانون، بنصوصه ومصطلحاته، يُنتج شرعنة ضمنية للرق، ويُمهّد لتطبيع ممارسات طالما اعتُبرت جرائم جسيمة بموجب القانون الدولي.
هذا التناقض بين الإنكار العلني والممارسة القانونية يعكس استراتيجية طالبان المعتادة، وهي تمرير أكثر السياسات تطرفًا عبر النصوص، لا عبر المؤتمرات الصحفية.
تستند طالبان، كما في ملفات أخرى، إلى قراءة فقهية تقليدية للشريعة الإسلامية، قراءة تعايشت تاريخيًا مع الرق ولم تُحرّمه نصوصها المؤسسة تحريمًا قاطعًا بل وقاومت تجريمه (عندما قام الخديوي إسماعيل بتوقيع إتفاقية إلغاء الرق والعبودية، اعترض مشايخ الأزهر واعتبروا هذا مخالف للشرع).
وبينما شهد العالم الإسلامي الحديث محاولات فكرية لتجاوز هذا الإرث، تعود طالبان إلى النسخة الأقدم وهي شريعة تُقسّم البشر، وتُجيز الاستعباد، وتُسخّر الدين لتكريس السيطرة السياسية والاجتماعية.
هنا لا نتحدث عن «سوء تطبيق»، بل عن اختيار أيديولوجي واعٍ يعيد إنتاج منظومة ما قبل الدولة الحديثة، ويضع أفغانستان في مواجهة مباشرة مع أبسط مبادئ حقوق الإنسان.
يحظر القانون الدولي العبودية بجميع أشكالها دون استثناء. ومع ذلك، يتعامل قانون طالبان مع الرق بوصفه حالة «طبيعية» قابلة للتنظيم، لا جريمة تستوجب الإلغاء.
هذا التعارض لا يمنح النظام وسيلة إضافية للسيطرة على الفئات الأضعف فحسب، بل يفتح الباب أمام اقتصاد استغلالي جديد، تكون فيه الفئات المهمشة ـ الأطفال والنساء والأقليات الدينية ـ وقودًا لمنظومة قمع مغلّفة بشرعية دينية.
