وارن-بافيت سرطان الإنحياز التأكيدي والتعصب الرياضي والفشل في البورصة
وارن بافيت ويده اليمنى وحربهما على الإنحياز التأكيدي

نميل جميعا إلى ما يؤكد صحة مواقفنا، وبناء على هذا نقرأ الأخبار ونشارك الآراء التي تتوافق مع آرائنا، ونصفق لأي شخص يدعم فكرتنا، بينما نتجاهل هؤلاء الذين يتكلمون عن استنتاجات مختلفة، والنتيجة هي أننا نعيش في دائرة مغلقة من الفشل تفتقد للحلول المتجددة والمرونة.

هذا هو سرطان الإنحياز التأكيدي، وهو ليس مرض عضوي أو حتى نفسي لكنها ظاهرة نفسية تسيطر على أغلب الناس حول العالم وتهدد حياتهم المادية وطموحاتهم الاستثمارية.

ويحارب كبار المستثمرين مثل وارن بافيت الإنحياز التأكيدي، خصوصا وأنهم يدركون بأنه يعرضهم للفشل وانهيار نجاحاتهم.

 

  • ما هو الإنحياز التأكيدي؟

ظاهرة نفسية تسيطر علينا جميعا، تدفعنا للبحث عن المعلومات والأخبار والمحتوى الذي يؤيد آراءنا ومعتقداتنا الحالية، وهو ما يجعلنا نتجاهل أي معلومات أو بيانات تعارض ما نؤمن به.

وتمنع هذه الظاهرة الأشخاص الذين تسيطر عليهم من البحث والتحقق من صحة المعلومات التي يؤمنون بها، بالتالي يبقون آرائهم ثابتة وهو ما يؤدي إلى حدوث صدمات قوية عندما يتبين أن ما يؤمنون به ليس هو الصواب.

 

  • الإنحياز التأكيدي والتعصب الرياضي

أشهر مجال يطغى عليه الإنحياز التأكيدي هو المجال الكروي والرياضي بصفة عامة، حيث يميل المشجعون المتعصبون لفرقهم ونجومهم المفضلة، نحو تجاهل أي أخبار ايجابية أو معلومات تؤكد تفوق المنافسين.

وفي هذا الصدد نجد مثلا ان أنصار ميسي الأكثر تعصبا له يرفضون الإعتراف بأن كريستيانو رونالدو هو الآخر نجم ناجح ويصنع الفارق مع منتخب بلاده وفريقه الشهير ريال مدريد، ونفس الأمر لأنصار هذا الأخير الأكثر تعصبا حيث يؤمنون بأن ميسي مجرد فقاعة.

الإنحياز التأكيدي يدفع أنصار برشلونة وريال مدريد المتعصبين للتفاعل ايجابا مع أي تقارير تؤكد آرائهم، وتجاهل أي تقارير تقول العكس أو حتى التشكيك في صحتها.

لكن من حسن الحظ فهذه الظاهرة لا تسبب أي خسائر مادية للمصابين بها في المجال الرياضي، لكنها تعرضهم للصدمات القوية من حين لآخر.

 

  • الإنحياز التأكيدي والبورصة أو الاستثمار

يصبح الإنحياز التأكيدي أكثر خطورة خصوصا للمستثمرين في البورصة والأسهم والعملات الرقمية المشفرة وأي نوع من الاستثمارات الأخرى.

إقرأ أيضا  4 قطاعات حقق منها وارن بافيت 12 مليار دولار خلال 2016

عادة أي شخص يستثمر في شركة معينة أو ينوي فعل ذلك يقوم بهذه الخطوة من منطلق الاقتناع بالمشروع وبمستقبله وهذا هو المنطقي.

ولا نتحدث عن هؤلاء الذين يستثمرون لأن أسهم شركة معينة ستصل إلى قيمة محددة مستقبلا ويستغلون الفرص بناء على هذا.

أشهر مستثمر في العالم هو وارن بافيت، وهو مستثمر في كوكا كولا و آبل وشركات أخرى كونه مقتنع بمشاريعها التجارية ومستقبلها.

هذا الرجل يحارب الإنحياز التأكيدي ويدرك أنه يشكل خطورة على استثماراته، حيث عادة ما يقرأ تحليلات تؤكد بأن بعض الشركات التي استثمر فيها ليس من الجيد وضع المال بها، وينظر إلى الأسباب الكامنة وراء استنتاجات تختلف تماما عن ما توصل إليه.

عودة إلى عام 2013 حيث عقد وارن الاجتماع السنوي لمساهمي شركته “بيركشاير هاثاواي” أمام 35 ألف متفرج موجود في مكان الإجتماع، إضافة إلى الملايين ممن تابعوا الحدث مباشرة عبر الإنترنت.

وحرص المستثمر الناجح على دعوة “دوج كاس” صاحب الآراء المعارضة له ولشركته والتي تأكد صحة الكثير منها.

دعاه من أجل الحضور إلى الإجتماع وطرح الأسئلة عليه إضافة إلى التعبير عن آرائه، والغاية من هذا هو أن لا يكون الاجتماع محصورا على رأي واحد وعلى حضور الأشخاص الذين يؤيدون قراراته فقط، بالتالي مساعدته على اتخاذ القرارات الصحيحة.

حتى “تشارلي مونجر” نائب رئيس “بيركشاير هاثاواي”، هو الآخر يحارب هذه الظاهرة ويتملص من الوقوع في شباكها، وطريقته في التعامل مع هذه المشكلة تكمن في انفتاحه على كافة الآراء والاستنتاجات والتحقق من صحتها، بل يقول أنه في حالة توصل إلى استنتاج صحيح يعارض ما يؤمن به يعمل على تدوينه قبل انقضاء 30 دقيقة على ذلك، وإلا فإن عقله سيعمل على رفض المعلومات المتضاربة ورفض الاستنتاج الجديد.

 

  • الخسائر المادية من الإنحياز التأكيدي

يمكن أن يتسبب هذا السرطان في خسارتك لشركتك أو لاستثماراتك، والفشل على المستوى المادي في كل الأحوال.

قصة شركة Long-Term Capital Management هي أفضل دليل على هذا، حيث تعمل هذه الشركة على ادارة الأصول والاستثمارات لعملائها، وقد وظفت الفائزين بجائزة نوبل في الاقتصاد “مايرون سكولز” و”روبرت ميرتون” خلال 1994 من القرن الماضي.

إقرأ أيضا  التفاؤل يصنع الفقاعات في البورصة بواسطة اقتراض تريليون دولار في شهرين!

ابتكر العالمين نظاما ذكيا قادرا على توقع الأسعار واتجاهات الأسهم في الحالات العادية، وقد حققت الشركة نتائج مالية كبيرة لنفسها ولعملائها وحصلت على المزيد من العملاء.

وكانت الانتقادات تتزايد من حين لآخر بأن نظام توقع الأسعار قد لا يكون دقيقا في حالات الذعر التي تنتشر بالأسواق، وهو ما حدث تماما حيث إذ تعثرت روسيا في سداد سنداتها الحكومية في 17 أغسطس 1998 لتصاب أسواق المال العالمية بالهلع، ويفشل النظام في توقع اتجاهات أسواق المال ما أدى إلى خسائر بالمليارات لها ولعملائها.

انخفضت القيمة السوقية للشركة من 2.3 مليار دولار إلى 400 مليون دولار فقط بحلول سبتمبر من نفس العام، وتدخلت عدد من الشركات الكبرى لإنقاذها من الإفلاس.

 

نهاية المقال:

هذا الدرس لا يقدر بثمن وهو من هدايا أزمة روسيا وانهيار شركة Long-Term Capital Management خلال أغسطس 1998، من هنا تعلم المستثمر وارن بافيت أن الإنحياز التأكيدي سرطان قاتل ومدمر، أما أنا فلن أنسى هذا إذ سيؤثر حثما في التدوين والاستثمار وأريد أن أتطور!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *