في الفضاء العربي، لا تحتاج امرأة ناجحة إلى إدانة قضائية كي تُدان اجتماعيًا، يكفي أن يظهر اسمها في وثائق مثيرة للجدل، حتى يتحول “الذكر” إلى قاضٍ، وتصبح منصات التواصل الإجتماعي محكمة، وتتحول النسوية إلى تهمة.
هذا بالضبط ما يحدث مع هند العويس بعد أن تبيّن أن اسمها ورد 469 مرة في وثائق مرتبطة بملف جيفري إبستين.
الوثائق التي كُشف عنها في الولايات المتحدة لا تتضمن اتهامًا جنائيًا مباشرًا للعويس، إذ لم تُوجَّه لها تهمة من قبل السلطات الأمريكية.
لم يُعلن عن فتح تحقيق رسمي ضدها، ولا توجد إشارة موثقة إلى أنها شاركت في أنشطة إبستين غير القانونية، ولا دليل مثبت على أن علاقتهما إن وُجدت أثّرت في مسارها الدبلوماسي.
الأهم أن مسؤولين مطلعين على الإفراج عن هذه الوثائق أكدوا أن المواد المنشورة تتضمن “بيانات خام وغير متحقق منها”.
في ملفات من هذا النوع، قد يرد اسم شخص مئات المرات لمجرد تبادل رسائل أو حضور فعاليات أو وجوده ضمن شبكة علاقات واسعة، وظهور الإسم لا يساوي إدانة، هذه قاعدة قانونية أولية في أي نظام يحترم الحد الأدنى من العدالة.
ولكي يتضح المقصود أكثر، تخيَّل أن لديك صديقًا، وهو شخصية عامة، تتحدث معه في موضوعات مختلفة، ثم تورَّط هذا الصديق في عملٍ إرهابي أو جريمة كبرى، فلجأت السلطات إلى مراجعة محادثاته، فظهرت رسائلكما، فهل من العدل حينئذٍ أن نحكم عليك بأنك مجرم؟
الخطير في هذا المسار هو تكريس منطق خطير في التعامل مع المعلومات وهو منطق “الإدانة بالاقتران”، أي أن وجود اسمك قرب اسم مجرم يكفي لإسقاطك أخلاقيًا، حتى دون وجود فعل مجرّم منك.
هذا المنطق إذا طُبق بصرامة، فلن يسلم منه أحد في عالم مترابط تحكمه شبكات تواصل دولية معقدة، إذ أن العلاقات في المجال الدبلوماسي أو الحقوقي أو الأكاديمي لا تُبنى على فحص خلفية كل شخص بدقة جنائية مسبقة، بل على تفاعل مفتوح قد ينكشف لاحقًا أن أحد أطرافه كان يخفي سلوكًا إجراميًا.
حتى المزاعم المتداولة حول إشارات في الرسائل إلى شقيقتها، وما رافقها من حديث عن أعمار لم تؤكدها تقارير إعلامية كبرى، تعكس نمطًا آخر من التسرع في تحويل التفاصيل غير المتحققة إلى وقائع مستقرة.
وفي بيئة رقمية تتغذى على الصدمة يصبح الإتهام أسرع من التحقق، وتصبح الإشاعة أكثر انتشارًا من التصحيح، ومع غياب بيان رسمي حتى الآن من العويس أو من الجهات الإماراتية، تُملأ الفراغات بالتكهنات، ويُستبدل التحليل بالإستنتاجات المسبقة.
الأمر هنا يتجاوز شخصًا بعينه، إنه يتعلق بكيفية تعامل مجتمعاتنا مع مبدأ افتراض البراءة، في النظم القانونية الحديثة، عبء الإثبات يقع على من يدعي، لا على من يُتهم.
أما في الفضاء الرقمي العربي، فيبدو أن عبء النفي يقع دائمًا على المرأة، خصوصًا إذا كانت ذات حضور عام أو خطاب نقدي، الرجل قد يُمنح مساحة للشك المعقول، بينما تُعامل المرأة بوصفها متهمة حتى تثبت براءتها اجتماعيًا، لا قضائيًا.
من حق أي مجتمع أن يطالب بالشفافية، ومن حق الرأي العام أن يسأل عن طبيعة أي علاقة مثيرة للجدل، لكن بين السؤال المشروع وحملة التشهير مساحة واسعة يجب الحفاظ عليها.
تحويل رقم 469 إلى حكم نهائي دون تحليل سياقه، ودون وجود اتهام رسمي، ودون دليل على تورط جنائي، لا يخدم العدالة ولا يخدم ضحايا إبستين الحقيقيين، بل يخدم فقط الرغبة في إسقاط خصم فكري.
إن الدفاع عن هند العويس هنا ليس دفاعًا عن قداسة شخصية، بل دفاع عن مبدأ وهو أن الظهور في وثائق غير مفلترة لا يساوي الإدانة، وأن العدالة لا تُبنى على المزاج الجماهيري، وأن تصفية الحسابات مع النسوية عبر فضيحة دولية لا يرقى إلى مستوى النقاش العقلاني.
وإذا كان من درس يمكن استخلاصه من كل هذا الجدل، فهو أن مجتمعاتنا لا تزال تميل إلى محاكمة النساء على الرمزية أكثر مما تميل إلى محاكمة الأفعال على أساس الأدلة.

