
في تصعيد خطير للتوترات الإقليمية، أطلقت حركة حماس تصريحاً مثيراً للجدل اتهمت فيه مصر بـ”تجويع غزة”، متهمة القاهرة بالتواطؤ في الحصار المفروض على القطاع.
هذا التصريح، الذي جاء في سياق متصاعد من التوترات بعد عملية 7 أكتوبر 2023، يكشف عن استراتيجية متعمدة من حماس لتحويل التعاطف الشعبي المصري مع القضية الفلسطينية إلى سلاح سياسي ضد الدولة المصرية.
في هذا المقال، نستعرض كيف تسعى حماس لتأليب الرأي العام المصري، وكيف تحاول نقل المعركة من غزة إلى القاهرة، مهددة بزعزعة استقرار مصر وتوريطها في أزمة قد تعيد إلى الأذهان نكبات الماضي.
اتهامات حماس: تجويع غزة أم استهداف مصر؟
في بيان صدر في يوليو 2025، اتهمت حماس مصر بتعمد إغلاق معبر رفح وتقييد دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة، واصفة هذه السياسات بأنها “تجويع متعمد” لسكان القطاع.
هذا الاتهام يتجاهل الدور المحوري الذي تلعبه مصر كوسيط في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حيث نجحت القاهرة مراراً في التوسط لوقف إطلاق النار وتسهيل دخول المساعدات عبر معبر رفح.
فمنذ بدء الحرب في أكتوبر 2023، أشرفت مصر على إدخال آلاف الأطنان من المساعدات الغذائية والطبية، رغم التحديات الأمنية واللوجستية الناتجة عن القصف الإسرائيلي المكثف.
الإتهامات التي وجهتها حماس لمصر ليست مجرد خطأ في قراءة الواقع، بل جزء من استراتيجية متعمدة تهدف إلى تصوير مصر كشريك في الحصار الإسرائيلي.
هذه الرواية تهدف إلى استغلال التعاطف الشعبي المصري العميق مع القضية الفلسطينية، وتحويله إلى ضغط سياسي على الحكومة المصرية.
فالشعب المصري، الذي يرى في غزة رمزاً للصمود الفلسطيني، قد يتأثر بمثل هذه الاتهامات، خاصة عندما تُقدم مصر على أنها متواطئة في معاناة الفلسطينيين.
حماس وخطة قلب الرأي العام
منذ عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023، استغلت حماس المشاهد المروعة للقصف الإسرائيلي والمجازر في غزة لتعبئة الرأي العام العربي والدولي.
في مصر، وجدت الحركة أرضاً خصبة لتعاطف شعبي واسع، حيث تاريخ طويل من التضامن مع الفلسطينيين، لكن بدلاً من توجيه هذا التعاطف نحو دعم القضية الفلسطينية، سعت حماس إلى استغلاله لتأليب الشارع المصري ضد حكومته.
استخدمت الحركة خطاباً عاطفياً يركز على معاناة سكان غزة، مع الإيحاء بأن مصر، من خلال إدارتها لمعبر رفح، تتحمل جزءاً من المسؤولية عن هذه المعاناة.
هذا الخطاب الديماغوجي يذكّر بتكتيكات جماعة الإخوان المسلمين في مصر خلال فترة حكمها 2012-2013، حيث حاولت الجماعة استغلال القضايا العاطفية لتعبئة الجماهير ضد خصومها السياسيين.
حماس، التي تربطها علاقات تاريخية بالإخوان، تبدو وكأنها تتبنى النهج ذاته، مستخدمة لغة شعبوية تهدف إلى زعزعة الثقة بين الشعب المصري وحكومته.
ففي الوقت الذي تُظهر فيه مصر التزاماً بتسهيل المساعدات واستضافة المفاوضات بين حماس وإسرائيل، تُصور الحركة القاهرة كعقبة أمام إغاثة غزة، وهو تصوير يفتقر إلى المصداقية لكنه فعّال في تحريك المشاعر.
الهدف الخفي: نقل المعركة إلى مصر
الهدف الحقيقي وراء اتهامات حماس لمصر يتجاوز مجرد الضغط على القاهرة لفتح معبر رفح بشكل دائم، فالحركة التي تواجه ضغوطاً عسكرية وسياسية هائلة في غزة، تسعى لنقل المعركة إلى مصر سياسياً، عبر خلق حالة من الفوضى الداخلية.
من خلال تأليب الشارع المصري ضد الحكومة، تأمل حماس في إضعاف موقف مصر الإقليمي، مما قد يدفع القاهرة إلى اتخاذ قرارات متسرعة تحت ضغط الرأي العام، مثل فتح الحدود بشكل غير منظم أو التخلي عن دورها كوسيط محايد.
هذه الاستراتيجية تحمل مخاطر كبيرة على الأمن القومي المصري. فمصر، التي تحارب الإرهاب في سيناء منذ سنوات، تخشى من أن يؤدي فتح معبر رفح بشكل غير منضبط إلى تسرب عناصر متطرفة إلى أراضيها، مما قد يعيد إحياء التهديدات الأمنية.
كما أن اتهامات حماس تهدف إلى تشويه صورة مصر عربياً ودولياً، مقدمة إياها كدولة تتخلى عن التزاماتها الإنسانية تجاه الفلسطينيين.
هذا التشويه قد يضعف موقف مصر في المحافل الدولية، خاصة في وقت تسعى فيه القاهرة لتعزيز دورها كقوة إقليمية موازنة.
7 أكتوبر: من انتصار حماس إلى مأزق مصري محتمل
تفتخر حماس بعملية 7 أكتوبر، التي وصفتها بـ”انتصار تاريخي” للمقاومة الفلسطينية. لكن النتائج الاستراتيجية لهذه العملية كانت كارثية على غزة، حيث أدى الرد الإسرائيلي إلى مقتل عشرات الآلاف وتدمير البنية التحتية للقطاع.
ورغم هذا، تواصل حماس الترويج لروايتها البطولية، متجاهلة الثمن الباهظ الذي دفعه سكان غزة، وتسعى الحركة لتحويل هذه الورطة إلى مأزق مصري، عبر تحميل القاهرة مسؤولية الأزمة الإنسانية في القطاع.
السيناريو الذي تسعى حماس لخلقه واضح: استمرار الضغط الشعبي على مصر قد يؤدي إلى احتجاجات داخلية، خاصة إذا ما تم تضخيم الاتهامات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
هذه الاحتجاجات قد تستغلها جماعات متطرفة، مثل الإخوان المسلمين، لزعزعة الاستقرار في مصر.
في الوقت نفسه، يمكن أن يؤدي تشويه صورة مصر عربياً إلى عزلتها في المنطقة، مما يضعف دورها كوسيط في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
هذا المأزق، إن تحقق، قد يمثل “نكبة” جديدة، ليس للفلسطينيين فحسب، بل لمصر التي تجد نفسها مستهدفة بسبب دعمها التاريخي للقضية.
