
بينما تصدر خبر “أوكرانيا تدمر 41 قاذفة روسية بطائرات مسيّرة” عناوين الأخبار تتجه الأنظار إلى هذه المقاتلة الأوكرانية الهجينة باليانيتسيا التي أعلن عنها في أغسطس 2024.
بحلول أواخر عام 2025، تهدف أوكرانيا إلى إنتاج أكثر من 1000 طائرة بدون طيار بعيدة المدى سنويًا، ومن المتوقع أن تشكل باليانيتسيا ما يقرب من نصف هذا العدد.
سلاح أوكرانيا الرخيص
تخيّل طائرة بدون طيار يمكنها الطيران لمسافة أبعد من معظم المقاتلات المأهولة، تجمع بين دقة صاروخ كروز وخفية ومرونة الطائرة بدون طيار.
أفادت الصناعة الدفاعية الأوكرانية أن تكلفة كل وحدة لا تتجاوز 50,000 دولار، وهي جزء صغير مقارنة بسعر صاروخ كاليبر الروسي البالغ 6.5 مليون دولار.
سمّيت هذه الطائرة على اسم الخبز الأوكراني التقليدي “باليانيتسيا”، وأصبحت رمزًا للإبداع الأوكراني، أكد مسؤولو الدفاع الأوكرانيون أن الطائرة أصبحت جاهزة للعمليات في أوائل عام 2024، مما يمثل قفزة كبيرة في قدرة كييف على استهداف الأراضي التي تسيطر عليها روسيا بعمق.
يبلغ طول الطائرة حوالي 3.2 متر، ويصل عرض جناحيها إلى 2.5 متر، وتحمل حمولة متفجرة تصل إلى 20 كيلوغرامًا، وهي كافية لتدمير مراكز قيادة صغيرة، مستودعات ذخيرة، أو أنظمة رادار.
وفقًا لأولكسندر كاميشين، الرئيس التنفيذي لسكك الحديد الأوكرانية، “أصبحت باليانيتسيا أداة استراتيجية، تتيح لنا استهداف مراكز لوجستية كانت تُعتبر آمنة سابقًا”.
مزيج من السرعة والتخفي لطائرات باليانيتسيا
تعمل الطائرة بمحرك نفاث توربيني، وتتحرك بسرعة تقارب 900 كم/ساعة، وتطير على ارتفاعات منخفضة لتفادي الكشف بالرادار.
هذه السرعة قريبة من سرعة الطائرات التجارية، لكنها تطير على ارتفاعات أقل بكثير، غالبًا أقل من 100 متر، مستغلة التضاريس للاختباء من شبكات الكشف.
هذه القدرة على الطيران تحت الرادار تجعل من الصعب جدًا على أنظمة الدفاع الجوي التقليدية اعتراضها.
يشير محللون عسكريون إلى أن هذا المدى والسرعة يضعان باليانيتسيا في منافسة مباشرة مع صواريخ كروز الروسية مثل كاليبر، ولكن بتكلفة أقل بكثير.
قال مصدر مجهول ضمن برنامج تطوير الطائرات بدون طيار الأوكراني: “أردنا سلاحًا يمكنه الوصول إلى خطوط الإمداد في موسكو دون تعريض الطيارين أو الطائرات المقاتلة باهظة الثمن للخطر، باليانيتسيا تلبي هذه الحاجة تمامًا”.
منذ ظهورها المُبلغ عنه في أوائل 2024، تم الإشادة بباليانيتسيا بتنفيذ عدة ضربات ناجحة على مراكز لوجستية روسية، ومستودعات ذخيرة، ومراكز قيادة.
بين يناير وأبريل 2025، استُخدمت باليانيتسيا في 17 هجومًا مؤكدًا على الأقل، مع دعم صور الأقمار الصناعية المفتوحة المصدر تدمير خمس قواعد روسية كبرى في المناطق الخلفية.
تشير المعلومات الاستخباراتية المفتوحة إلى أن أكثر من 50 طائرة باليانيتسيا تم نشرها بين يناير وأبريل 2025، مما أدى إلى تعطيل سلاسل الإمداد الحيوية للعمليات الروسية في الخطوط الأمامية.
باليانيتسيا تستنزف روسيا داخليا
تُكلف كل ضربة ناجحة روسيا ما يصل إلى 10 ملايين دولار في خسائر البنية التحتية، التوقف عن العمل، والموارد المحولة.
وفقًا لتقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، “إدخال طائرة باليانيتسيا غيّر التوازن الاستراتيجي، مما أجبر روسيا على تحويل الموارد للدفاع عن المناطق الخلفية”.
تمثل هذه الطائرة الصاروخية الهجينة أكثر من مجرد قوة نارية، إنها تشير إلى تحول نحو قدرات ضرب بدون طيار بعيدة المدى، دقيقة، وبأسعار معقولة. قدرة أوكرانيا على الوصول إلى عمق الأراضي الروسية لها تأثيرات نفسية أيضًا.
ولم يعد القادة الروس يشعرون بالأمان على بعد أميال خلف الخطوط الأمامية، حيث تشير تقارير قنوات تيليغرام الروسية إلى تزايد الذعر بين أشخاص اللوجستيات، مع نقل بعض المنشآت لمسافة تزيد عن 150 كيلومترًا شرقًا منذ الضربات الأولى لباليانيتسيا.
قال العقيد أندري شارابوف، قائد طائرات بدون طيار أوكراني، في مقابلة: “باليانيتسيا تمنحنا عيونًا وأنيابًا في أماكن اعتقد العدو أنها آمنة، إنها تغير طريقة خوض الحرب.”
تحديات تواجه باليانيتسيا
على الرغم من أن باليانيتسيا تمثل تقدمًا كبيرًا، إلا أنها ليست بدون تحديات حيث يتطلب اعتراض هذه الطائرات أنظمة دفاع جوي حديثة ومتعددة الطبقات، وهو ما تسعى روسيا جاهدة لتحسينه.
أفادت تقارير أن روسيا نشرت 30 نظام بانتسير إس-1 إضافي في مناطق رئيسية بعد الموجة الأولى من ضربات باليانيتسيا.
يعتقد الخبراء أن أوكرانيا تعمل باستمرار على تحسين التصميم، وزيادة سعة الحمولة، واستكشاف تكتيكات السرب التي يمكن أن تطغى على دفاعات العدو.
يؤكد التطور السريع لهذه التكنولوجيا على اتجاه أوسع: الأنظمة غير المأهولة لم تعد المستقبل، بل هي الحاضر في الحروب.
تجسد طائرة باليانيتسيا الأوكرانية نوعًا جديدًا من الأسلحة، تجمع بين السرعة، التخفي، وقدرة الضرب بعيدة المدى في منصة بأسعار معقولة.
مع استمرار الحرب، تُظهر أسلحة مثل باليانيتسيا كيف تغذي الابتكار والضرورة تحولات ساحة المعركة، وكيف أن صناعة الأسلحة الأوكرانية متقدمة عالميا.
أكبر هجوم أوكراني على روسيا بفضل باليانيتسيا
في الساعات الأخيرة، أفادت مصادر استخباراتية مفتوحة المصدر وتقارير عسكرية أوكرانية أن طائرة باليانيتسيا نفذت ضربة دقيقة استهدفت مستودع ذخيرة روسي رئيسي في منطقة كورسك، على بعد حوالي 650 كيلومترًا من الحدود الأوكرانية.
الضربة، التي وقعت في 31 مايو 2025، تسببت في انفجارات هائلة، دمرت كميات كبيرة من الذخائر وألحقت أضرارًا بمركز لوجستي حيوي كان يزود القوات الروسية في الخطوط الأمامية، تقدّر الخسائر الأولية بأكثر من 15 مليون دولار، مع تعطيل كبير لسلاسل الإمداد الروسية.
وقد أعلنت أوكرانيا اليوم الأحد أن غارة جوية غير مسبوقة شنتها أوكرانيا بطائرة مسيرة دمرت أكثر من 40 طائرة روسية داخل الأراضي الروسية، وفقًا لتقرير صادر عن وكالة أسوشيتد برس.
ونشرت السلطات الأوكرانية مقاطع الفيديو لقصف طائرات عسكرية روسية في المطارات العسكرية منها القاذفات النووية الروسية.
في غضون ذلك، أفادت أوكرانيا يوم الأحد أنها واجهت هجومًا ليليًا غير مسبوق، حيث أُطلقت 472 طائرة روسية مسيرة عبر أراضيها وهو أعلى رقم مُسجل منذ بدء الغزو في فبراير 2022.
وأعلنت القوات الجوية الأوكرانية أنها أسقطت 385 من تلك الطائرات المسيرة، إلى جانب سبعة صواريخ أطلقتها روسيا أيضًا، وأكد متحدث باسم القوات الجوية لوكالة فرانس برس أن حجم هجوم الطائرات المسيرة يُمثل رقمًا قياسيًا جديدًا.
وقعت الهجمات المُكثفة على الجانبين قبل يوم واحد فقط من انعقاد محادثات مباشرة بين الوفدين الأوكراني والروسي في إسطنبول.
