
كلما اشتعل الشرق الأوسط بحرب جديدة، خرج علينا تجار الماورائيات من الكهوف ليعلنوا أن “النهاية اقتربت”، وأن “المهدي المنتظر على الأبواب”، وأن ما يجري في إيران أو فلسطين أو الشام ليس صراعًا سياسيًا بين دول وجيوش ومصالح، بل مشهد افتتاحي في مسلسل آخر الزمان.
والعجيب أن هذا الخطاب لا يظهر في هوامش المجتمع فقط، بل يتسلل إلى التحليلات اليومية، وإلى مقاطع الوعاظ، وإلى منشورات المتعلمين أنفسهم، وكأننا لم ندخل القرن الحادي والعشرين، وكأن العلم لم يفسر شيئًا، وكأن التاريخ لم يعلمنا أن البشر مولعون بإسقاط أساطيرهم على كل حرب ثم يكتشفون بعد سنوات أنهم كانوا يطاردون سرابًا جديدًا.
في خضم الحرب على إيران، وبينما يناقش العالم موازين الردع، ومستقبل البرنامج النووي، وإعادة تشكيل الشرق الأوسط، يصر كثيرون على الهروب من السياسة إلى الخرافة، ومن التحليل إلى النبوءة، ومن الوقائع إلى الهذيان العقائدي.
فجأة يصبح كل صاروخ علامة، وكل زعيم رمزًا غيبيًا، وكل تحرك عسكري دليلاً على قرب الظهور الموعود، وهنا لا يعود الدين مجرد إيمان شخصي، بل يتحول مرة أخرى إلى أداة تعطيل للعقل، وإلى مخدر ثقافي يعفي الناس من فهم الواقع لأن تفسير الغيب أسهل من قراءة الخرائط والجيوش والاقتصاد.
المشكلة في هذه الخرافات ليست فقط أنها ساذجة، بل أنها تحتقر المعرفة نفسها، فحين يتحدث شخص عن “نهاية العالم” بوصفها حدثًا وشيكًا بسبب حرب إقليمية، فهو لا يعبر فقط عن تدين شعبي، بل عن قطيعة كاملة مع أبسط ما نعرفه علميًا عن عمر الأرض والحياة والإنسان.
نحن نعيش على كوكب عمره نحو 4.5 مليار سنة، وظهرت عليه الحياة في صورها الأولى قبل نحو 3.5 مليار سنة، بينما الإنسان العاقل نفسه ليس إلا وافدًا متأخرًا جدًا في هذا السجل الطويل، إذ لا يعود وجوده إلا إلى نحو 300 ألف سنة فقط.
أي أن كل الحضارات، وكل الأديان، وكل الإمبراطوريات، وكل حروب الشرق الأوسط، لا تمثل إلا ومضة شبه غير مرئية في تاريخ كوكب هائل.
بل إن الإنسان لم يظهر فجأة كما تتخيل السرديات الدينية المبسطة، بل جاء في نهاية سلسلة تطورية طويلة بدأت بكائنات شبيهة بالرئيسيات، ثم أسلاف بشرية مبكرة مثل الأوسترالوبيثكس، ثم أنواع من جنس الهومو والنياندرتال، وصولًا إلى الإنسان العاقل.
هذه الحقيقة وحدها كافية لكي يفهم المرء أن التاريخ البيولوجي للحياة لا يتحرك بمنطق “العلامات” و”الوعود الغيبية”، بل بمنطق التطور، والانتخاب، والتكيف، والانقراض، والتحول الطويل البطيء الذي لا يكترث بخطب الدعاة ولا بمقاطع آخر الزمان.
إذا أردنا قليلًا من الاحترام للعقل، لا نستطيع أن نخلط بين حرب إقليمية تدور على مدى أسابيع أو أشهر، وبين مصير كوكب يتحرك على مقاييس زمنية تمتد إلى مئات الملايين والمليارات من السنين.
لكن العقل، للأسف، ليس ما يحكم هذا النوع من الخطاب، الذي يحكمه هو حاجة نفسية بدائية إلى تضخيم الذات، وإلى إقناع الإنسان المذعور من الفوضى بأنه يعيش في لحظة كونية استثنائية، وأن زمنه الشخصي هو ذروة التاريخ، وأن الحرب التي يراها على هاتفه هي الحرب التي انتظرها الأنبياء والكتب والنبوءات، هذه نرجسية دينية أكثر منها قراءة للعالم.
والأخطر أن خرافات المهدي ونهاية العالم ليست مجرد تسلية شعبية، بل لها آثار سياسية وأخلاقية خطيرة، فهي تنزع عن الحروب طابعها البشري القابل للفهم والنقد، وتحولها إلى قدر غيبي لا يناقش، وبذلك تصبح مسؤولية السياسيين والعسكريين أقل وضوحًا، لأن كل شيء يُرد إلى “المكتوب” و”العلامات” و”المعركة الموعودة”.
بل إن هذا الخطاب يمنح المتطرفين وقودًا إضافيًا، لأن من يظن نفسه يعيش آخر الزمان يسهل عليه أن يبرر العنف، ويحتقر الحياة، ويزدري السياسة، ويعتبر الخراب تمهيدًا للخلاص.
هكذا تتحول الخرافة إلى شريك موضوعي في إنتاج الفوضى، فبدل أن يسأل الناس: ما مصلحة إيران؟ ما أهداف إسرائيل؟ كيف تتحرك أمريكا؟ ما أثر الحرب على النفط والاقتصاد والتحالفات؟ نجدهم يسألون: هل خرج السفياني؟ هل اقترب الظهور؟ هل هذه هي الملحمة الكبرى؟ إنها مهانة للعقل العربي أن يظل أسير هذه اللغة، وأن يكرر في كل حرب السيناريو نفسه: صواريخ على الأرض وخرافات في السماء.
ما يحتاجه الشرق الأوسط اليوم ليس مزيدًا من وعاظ النهاية، بل مزيدًا من الشجاعة العقلية، يحتاج إلى من يقول بوضوح إن الحرب حرب مصالح، وإن الأنظمة تستخدم الدين كما تستخدم السلاح، وإن الشعوب التي تفسر السياسة بالخرافة ستظل منفصلة عن الواقع.
