
كلنا تابعنا الهجوم العنيف على محمد رمضان بسبب أزيائه التي تشبه أزياء الراقصات في مهرجان كوتشيلا بالولايات المتحدة الأمريكية، وادعاء المجتمع المصري والعربي للفضيلة ولعب دور القاضي الشريف.
ذهب الكثير من المتتبعين للقول أن محمد رمضان مثلي، وهناك من يقول ان الماسونية هي التي طلبت منه ذلك، كلام كثير تافه ومضحك يدور هذه الأيام في المجتمع المصري الذي يعيش رهابا شديدا اتجاه المثلية الجنسية رغم أنها منتشرة بكثرة فيه مثل بقية المجتمعات العربية والعالمية.
لكن دعونا نعود للوراء قليلاً، إلى ما يُسمى بـ”زمن الفن الجميل”، هل كان ذلك الزمن، كما يروج له البعض، طاهراً من المثلية؟ الحقيقة أن هذا التصور الرومانسي مضلل تماماً.
رغم الطابع المحافظ الظاهري للمجتمع المصري، فإن السينما والدراما المصرية لم تخلو أبدًا من التطرق إلى المثلية الجنسية، وإن كان ذلك غالبًا بشكل ساخر، كاريكاتوري، أو إيحائي، لتجنب رقابة الدولة والدين والمجتمع.
المثلية في فيلم “ليلة الدخلة” (1950)
هناك أمثلة كثيرة لأفلام ومسلسلات مصرية بها المثلية مثل فيلم “ليلة الدخلة” (1950) من بطولة إسماعيل ياسين وكاميليا وهند رستم تضمن مشهدًا صادمًا بمعايير اليوم، لكنه مرّ وقتها بشكل عابر، ويُعتبر الآن من أوائل التمثيلات السينمائية للمثلية أو الرغبة الأنثوية المتبادلة، حتى وإن جاءت في قالب هزلي.
في أحد مشاهد الفيلم، تظهر قبلة بين امرأتين، وتحديدًا بين شخصية هند رستم وشخصية كاميليا، في لحظة فيها انفعال عاطفي وجسدي، رُبما قُدّمت على أنها جزء من الكوميديا أو “الغيرة النسائية”، لكن لا يمكن إنكار أن المشهد يحمل دلالات جنسية واضحة، خصوصًا ضمن السياق الجسدي المبالغ فيه الذي صُوِّرَت به الشخصيتان.
هذه القبلة لا تُذكر كثيرًا اليوم، لكنها موثقة، ويمكن اعتبارها من أولى اللحظات السينمائية التي كسرت تابو المثلية الأنثوية في السينما المصرية، حتى لو لم تُسمَّ بهذا الاسم وقتها.
اللافت أن الفيلم عُرض دون رقابة صارمة، لأن مصر في تلك الفترة كانت تمر بمرحلة فنية ليبرالية نسبياً، قبل أن تأتي مرحلة تأميم السينما في الستينات ثم تغلغل الرقابة الدينية منذ السبعينات وتُغلق الباب تمامًا على أي مشاهد كهذه، ويتحول المجتمع المصري من مجتمع ليبرالي إلى مجتمع محافظ مكبوت يمارس التحرش الجنسي في الألفاظ والنكات سواء بين الرجال والنساء أو حتى في خطاب الجنس الواحد.
ما يثير السخرية أن هذا الفيلم يُعرض اليوم على بعض القنوات الكلاسيكية دون حذف، رغم أن مشهدًا كهذا لو صُوِّر في فيلم جديد لتم منعه، ومطاردة صناعه، وربما سجنهم تحت تهم “التحريض على الفجور” أو “نشر المثلية”.
وهذا يكشف عن التناقض الهائل بين ما كان يُعرض دون حساسية في زمن الفن “الجميل”، وبين الرقابة الدينية والاجتماعية المتشددة التي صارت تحكم اليوم.
“حمام الملاطيلي”: فيلم واقعي عن عالم مكبوت
عُرض فيلم “حمام الملاطيلي” سنة 1973، من بطولة شمس البارودي ويوسف شعبان، وهو من أكثر الأفلام التي تعاملت مع المثلية بجرأة وصراحة. لم يُقدَّم المثلي هنا ككاريكاتير ساخر، بل كإنسان يعيش صراعًا داخليًا حادًا.
شخصية يوسف شعبان كانت لرجل مثلي يعيش وسط عالم قاهري مضطرب، يبحث عن الحب ويتنقل بين حمامات القاهرة القديمة، في رمزية واضحة لواقع مسكوت عنه في المجتمعات العربية، الفيلم لم يكن فقط عن الجنس، بل عن الاغتراب، والوحدة، والخيارات الأخلاقية داخل مجتمع مزدوج المعايير.
الغريب أن الفيلم مرّ وقتها دون ضجة كبرى، ربما لأن المجتمع كان مشغولاً بتحولات سياسية كبرى، وربما لأن الفن وقتها كان أكثر صدقًا وجرأة من اليوم.
“الأنثى المرفوضة”: المثلية في ثوب ساخر
في فيلم “الأنثى المجهولة” (1959) بطولة شادية وكمال الشناوي، تظهر شخصية ثانوية لامرأة تُظهر انبهارًا بجمال شادية بطريقة مبالغ فيها، بنظرات مريبة ولمسات غير مبررة، ضمن مشهد صامت لم يتجاوز بضع ثوانٍ، لكنه حمل نبرة جنسية مشوشة لا تخفى على المتفرج الذكي.
هذا النوع من التلميح كان يُستخدم لإثارة الجدل دون إثبات قانوني على الطرح، مما يُبقي الفيلم في منطقة “اللا معلن”.
“السراب”: يوسف شاهين ولمحات خفية
في فيلم “السراب” (1980) للمخرج الكبير يوسف شاهين، ظهرت شخصية رجل عاجز عن ممارسة الجنس مع زوجته، ويعيش ميولًا مثلية خفية تجاه زميله في الجيش، رغم أن الفيلم لم يُصرّح بالمثلية بوضوح، إلا أن المشهد النفسي المركّب والإيحاءات الدرامية كانت واضحة للمهتمين.
شاهين دائمًا ما تعامل مع الهوية الجنسية باعتبارها جزءًا من التعقيد الإنساني، وليس كعيب أو مرض، وحتى في أفلامه الأخرى، مثل “إسكندرية ليه؟”، هناك لمحات عن هذا الصراع الداخلي والميول المثلية ضمن إطار أوسع من الهوية والحرية.
“الطوق والأسورة”: الحب المحرم في الجنوب
رغم أن الفيلم “الطوق والأسورة” (1986) يتناول القهر الطبقي والمجتمعي في صعيد مصر، إلا أنه يحتوي على مشهد هامشي يظهر فتاة منغوية على نفسها، تتجنب الذكور، وتبدو في حب خفي بصديقتها المقربة.
لم يكن ذلك الحب محكومًا بشهوة واضحة، لكنه مشحون بالعاطفة القمعية، النابعة من مجتمع يرفض حتى العلاقات الإنسانية الحميمة بين النساء، هنا نرى المثلية في صورتها الأكثر وجعًا: حب محرّم حتى من أن يُنطق.
“عمارة يعقوبيان”: المثلي ليس نكتة بل إنسان
حين ظهر خالد الصاوي في شخصية “حاتم رشيد” في فيلم “عمارة يعقوبيان” (2006)، كانت صدمة حقيقية للجمهور العربي.
المثلي هنا ليس مادة للسخرية، ولا شخصية هامشية، بل صحفي مثقف، ناجح، يعيش وحده، ويخفي ميوله الجنسية خوفًا من الرفض.
الفيلم كان نقطة تحول. فقدّم المثلية كقضية إنسانية وليست فقط جنسية، لم يكن حاتم يعاني من انحراف، بل من عزلة، ومن الحاجة للقبول.
العلاقة التي أقامها مع مجند سابق كشفت مأساة مزدوجة: رفض المجتمع، وكبت الفرد، والعنف الناتج عن الصراع بين الرغبة والخوف.
الجدل حول الشخصية كان كبيرًا، لكن الفيلم فتح الباب لنقاش أوسع عن المثلية في المجتمع المصري. لأول مرة، أصبح المثلي شخصية ذات صوت، وقصة، ومأساة، وليس مجرد خلفية ترفيهية.
الفن المصري زمن المجلات الجريئة
من كان يفتح مجلات مثل “الكواكب” أو “الجيل” أو “آخر ساعة” في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كان يرى شيئًا لا يُصدق اليوم: نجمات بالبكيني على غلاف المجلة، صور جريئة، وجلسات تصوير على الشاطئ لنجمات مثل هند رستم وسامية جمال ولبنى عبد العزيز، دون أن يتهم أحد المجلة بالكفر أو ينصب نفسه حارسًا على الأخلاق العامة، كانت المجلات الفنية مرآة لمجتمع لم يكن يقدّس النفاق، بل يعيش حريته رغم القيود.
كانت الجرأة الفنية وقتها جزءًا من مشروع ثقافي عصري، مجتمع يرى في الفن وسيلة للتحرر لا وسيلة للضبط والتلقين، لم يكن أحد يستغرب أن تقدم سعاد حسني مشهد قبلة طويلة في فيلم رومانسي، أو أن يظهر رشدي أباظة نصف عارٍ على الشاشة، كانت السينما مرآة لواقع متحرر نسبيًا، حتى ولو بحدود.
واليوم تحولت هذه المجلات إلى أرشيف ممنوع، تُحذف منه الصور، وتُطمس فيه الأجساد، بينما ينصّب المجتمع نفسه واعظًا عامًا، يهاجم أي فنان أو فنانة يتجرأ على خرق “النظام الأخلاقي الافتراضي”.
هذا نفس المجتمع الذي يملك أعلى معدلات تحرش جنسي في المنطقة، وتنتشر فيه النكات الجنسية أسرع من النار في الهشيم، لكنهم مع ذلك يتظاهرون بالحشمة.
