
أثارت تصريحات البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر، جدلاً واسعاً في مجتمع الميم المصري والعربي بعد ربطه المثلية الجنسية بالإرهاب والإدمان، معتبراً أن مصدرها “التفكك الأسري”.
في برنامج “كنيستي في المهجر” على قناة لوجوس التابعة للكنيسة، وصف البابا المثلية بأنها “مر” يراه المثليون “حلو” بسبب “نفس جائعة”، مشبهاً إياها بالإدمان على المخدرات.
هذه التصريحات ليست الأولى من نوعها، حيث سبق للبابا أن ألقى باللوم على المثليين في جائحة كورونا، واعتبر زواج المثليين “مدخلاً إلى الإلحاد”.
تصريحات البابا تواضروس المعادية للمثلية
خلال حوار تلفزيوني، أشار البابا تواضروس إلى أن المثلية الجنسية تنبع من “التفكك الأسري”، وهي نفس الرؤية التي قدمها لتفسير الإرهاب، واصفاً المثليين بأنهم يعانون من “جوع نفسي” يشبه إدمان المخدرات.
كما استشهد بمقولة منسوبة إلى البابا شنودة الثالث، مفادها أن المثلية إما “مرض يحتاج إلى علاج” أو “خطيئة تحتاج إلى توبة”.
وفي سياق آخر، أجاب البابا على سؤال حول ارتباط المثلية والإلحاد بـ”المجيء الثاني”، مما أثار تساؤلات حول الخطاب الديني وتأثيره على المجتمع.
هذه التصريحات ليست جديدة، فقد سبق للبابا تواضروس أن ربط المثلية بجائحة كورونا، واعتبر زواج المثليين مدخلاً للإلحاد، مما يعكس نمطاً متكرراً في خطاب الكنيسة القبطية تجاه مجتمع الميم (المثليين، ومزدوجي الميل الجنسي، ومتحولي الجنس، وغيرهم).
هذا الخطاب المتشدد ليس غريبا على المسيحية الشرقية التي لا تزال متمسكة برهاب المثلية على نقيض المسيحية الغربية التي تحررت من هذه الأحكام.
التحريض المسيحي الشرقي على المثليين
تصريحات مثل تلك التي أدلى بها البابا تواضروس تسهم في تعزيز ثقافة الرفض والتمييز ضد مجتمع المثليين ومجتمعات الميم، هذا الخطاب يعمق الوصم الاجتماعي، ويؤدي إلى تفاقم التحديات التي يواجهها المثليون، بما في ذلك:
- الضغط النفسي والاجتماعي: تصريحات تربط المثلية بالإرهاب أو الإدمان تعزز فكرة أن المثلية شيء “خاطئ” أو “مرضي”، مما يدفع البعض إلى اللجوء إلى ما يسمى بـ”العلاج التحويلي”، وهي ممارسة تفتقر إلى أي أساس علمي وتؤدي إلى مشكلات نفسية خطيرة مثل الاكتئاب الحاد، الأفكار الانتحارية، وحتى محاولات الانتحار.
- العنف والكراهية: ربط المثلية بمصطلحات سلبية مثل الإرهاب يغذي خطاب الكراهية، مما يزيد من مخاطر العنف الجسدي واللفظي ضد المثليين، خاصة في مجتمعات تفتقر إلى قوانين تحمي حقوق هذه الفئات.
- التجريم والتهميش: في مصر، حيث لا يوجد قانون صريح يجرم المثلية، إلا أن الملاحقات الأمنية والمجتمعية تعتمد على تفسيرات فضفاضة لقوانين مثل “الفجور”، مما يعرض المثليين للاعتقال والاضطهاد.
يتماهى هذا التحريض المسيحي في مصر مع الخطاب الإسلامي المتشدد الذي يشيطن المثلية ويعتبرها رجسا من عمل الشيطان.
المثلية الجنسية من منظور علمي
على عكس التصريحات التي تصف المثلية بالمرض أو الخطيئة، تؤكد المنظمات الطبية والنفسية العالمية، مثل منظمة الصحة العالمية والجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين، أن المثلية الجنسية تنوع طبيعي في التوجه الجنسي البشري. منذ عام 1973، أزالت الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين المثلية من قائمة الاضطرابات النفسية، وفي عام 1990، أكدت منظمة الصحة العالمية أن المثلية ليست اضطراباً يتطلب علاجاً.
المثلية لا تسبب ضرراً للأفراد أو المجتمع، بل تتعلق بحرية الأفراد في حب من يختارون من البالغين الراضين، على النقيض، يتسبب خطاب الكراهية والمعلومات المغلوطة في أضرار نفسية وجسدية حقيقية، حيث يواجه المثليون تحديات صحية نفسية بسبب الوصم والتمييز، وليس بسبب ميولهم الجنسية.
براءة المثلية الجنسية من الإدمان والإرهاب
ربط المثلية بالإرهاب والإدمان ليس فقط تشبيهاً مسيئاً، بل هو مقارنة خاطئة جوهرياً، الإرهاب ينطوي على إيذاء الآخرين، والإدمان يؤثر سلباً على الصحة الجسدية والنفسية، بينما المثلية تتعلق بالعلاقات الرضائية بين البالغين، لا يوجد أي أساس علمي أو منطقي لهذه المقارنات، مما يبرز الحاجة إلى تصحيح المفاهيم الخاطئة وتعزيز التوعية.
يمتلك القادة الدينيون تأثيراً كبيراً في تشكيل الرأي العام، ولهذا يتحملون مسؤولية كبيرة في تعزيز التعاطف والتفاهم، بدلاً من تعزيز خطاب الكراهية، يمكن للقادة الدينيين أن يلعبوا دوراً في نشر السلام والتسامح.
تجارب عالمية، مثل موقف بعض الكنائس في الغرب التي بدأت تقبل المثليين وتدعم حقوقهم، تظهر إمكانية تحقيق التوازن بين الإيمان الديني والاحترام الإنساني.
تصريحات البابا تواضروس حول المثلية الجنسية تعكس تحديات كبيرة تواجهها مجتمعات الميم في مصر والعالم العربي. هذا الخطاب، الذي يعتمد على معلومات مضللة، يساهم في تعزيز التمييز والكراهية، مما يؤثر سلباً على الصحة النفسية والجسدية للمثليين.
