السياسة الخارجية جعلت الجزائر كلبة مسعورة معزولة!

تتمتع الجزائر بمكانة إقليمية بارزة كقوة نفطية وغازية في شمال إفريقيا، لكن، في السنوات الأخيرة، بدت سياستها الخارجية كالكلبة المسعورة، تهاجم في كل الاتجاهات دون تمييز، مما أوقعها في سلسلة من الأزمات الدبلوماسية مع دول الجوار والقوى الدولية، مخلفةً عزلة متزايدة ونفوذاً متآكلاً.

وبينما تتجه دول المنطقة إلى التكامل وتفضيل المصالح المالية والاقتصادية على الشعارات الفارغة تخالف الجزائر السياسات البراغماتية التي تنهجها الدول الذكية.

عدوانية الجزائر مع المغرب

التوتر مع المغرب يتصدر هذه الأزمات، حيث قطع العلاقات الدبلوماسية في أغسطس 2021 كان ذروة عقود من الخلاف حول الصحراء الغربية.

الجزائر، بدعمها لجبهة البوليساريو، ترى في المغرب تهديداً لاستقرار المنطقة، بينما يتهمها المغرب بمحاولة إشعال مواجهة عسكرية عبر استفزازات مثل طرد دبلوماسي مغربي من وهران في 2025.

هذا العداء المتبادل، المغذى بتنافس الغاز وتحالف المغرب مع إسرائيل، حوّل الجزائر إلى لاعب يراهن على التصعيد بدلاً من الحوار.

لكن كل هذا هو بسبب الصراع حول الصحراء المغربية التي تسيطر عليها المملكة فعليا وتعترف بها المزيد من الدول وآخرها فرنسا واسبانيا وقبلهما الولايات المتحدة الأمريكية.

وضيعت الجزائر الكثير من فرص التعاون مع المغرب والتكامل وعطلت مشروع اتحاد المغرب الكبير بسبب أطماعها في الأراضي المغربية.

صراع الجزائر مع مالي والنيجر وبوركينا فاسو

في الجنوب، خسرت الجزائر نفوذها التقليدي في الساحل، دول مثل مالي، النيجر، وبوركينا فاسو، التي كانت تعتمد على الجزائر كوسيط في نزاعات مثل اتفاق السلام مع الطوارق في 2015، تحولت إلى خصوم.

حادثة إسقاط طائرة مسيرة مالية في 2024، وسحب هذه الدول لسفرائها من الجزائر، عكست رفضاً إقليمياً لما وصفته بـ”انتهاكات السيادة”.

الجزائر تتهم الإمارات بدعم هذه الدول عبر تمويل ميليشيات و”فاغنر” الروسية، لكن هذا الخطاب العدائي لم يعزز موقفها، بل عزز تحالف دول الساحل مع المغرب، الذي يقدم بدائل لوجستية مثل ميناء الداخلة.

أصبحت الجزائر محاصرة من الجنوب أيضا بعد أن كان لديها نفوذ كبير هناك وأصبح مشروع الغاز الجزائري النيجيري في خطر.

صراع الجزائر مع الإمارات العربية المتحدة

علاقة الجزائر بالإمارات تكشف عن جانب آخر من هذا “الهياج” الدبلوماسي، اتهامات الرئيس تبون في 2024 للإمارات بالتدخل في مالي، ليبيا، والسودان، وقرار إيقاف استثمارات إماراتية كبرى، أشعلا حرباً إعلامية.

هذا الصراع، المتجذر في دعم الإمارات للمغرب وتحالفها مع إسرائيل، يظهر الجزائر كدولة تتخبط في مواجهة تحالفات إقليمية متينة.

الدعم الإماراتي للمغرب واتفاقيات التطبيع مع إسرائيل وتمويل أنبوب الغاز النيجيري المغربي يقلق الجزائر ويجعلها تهاجم إعلاميا الإمارات.

أزمات الجزائر مع الإتحاد الأوروبي

مع الغرب، تبدو الجزائر في حالة قطيعة باردة، وعلى رأسها فرنسا، التي تربطها بالجزائر علاقة تاريخية معقدة، حيث واجهت هجوماً إعلامياً جزائرياً في 2025 استهدف وزير داخليتها، مع مطالبات بطرد موظفي الوزارة، ثم إلى طرد الدبلوماسيين الفرنسيين.

دعم فرنسا للمغرب في قضية الصحراء، وتراجع نفوذها في الساحل، جعلا الجزائر ترى فيها خصماً.

إسبانيا، التي كانت شريكاً تجارياً، لم تسلم من هذا الهجوم بعد دعمها للمقترح المغربي في 2022، مما دفع الجزائر لتعليق اتفاقيات ثنائية.

وبينما عززت علاقتها مع إيطاليا في السنوات الأخيرة إلى ان توتر العلاقات مع فرنسا واسبانيا يجعل معزولة أكثر عن محيطها الإستراتيجي.

التوتر في العلاقات بين الجزائر وروسيا

حتى مع روسيا الحليف الاستراتيجي، تواجه الجزائر توترات واضحة، الدعم الروسي للمجلس العسكري في مالي عبر “فاغنر” يهدد أمن الحدود الجزائرية، مما دفع محللين لوصف العلاقات بأنها في “المنطقة المظلمة”.

هذا التوتر يكشف عن معضلة الجزائر: اعتمادها على روسيا عسكرياً يتعارض مع مصالحها الإقليمية وهذا ما دفعها إلى التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية في انقلاب أغضب موسكو.

ورغم أن التعاون الجزائري الأمريكي ليس عميقا حيث هناك خلافات في الرؤى بين البلدين حول قضية الصحراء المغربية إلا أن هناك اتفاقا على ضرورة طرد المرتزقة الروس من ليبيا ومالي وبالقرب من الحدود الجزائرية.

معضلة السياسة الخارجية الجزائرية

هذا السلوك الدبلوماسي، الذي يتسم بالهجوم العشوائي والتصعيد المتكرر، يعكس أزمة داخلية في النظام الجزائري.

السياسة الخارجية التي تفتقر إلى رؤية استراتيجية، وتعتمد على خطاب شعبوي واتهامات متبادلة، أدت إلى عزلة الجزائر في محافل مثل الاتحاد الإفريقي، حيث فشلت في 2025 في نيل مقعد بمجلس السلم والأمن. وبدلاً من بناء تحالفات، تختار الجزائر استعداء الجميع، مما يجعلها كالكلبة المسعورة التي تنهش دون هدف واضح، فتخسر حلفاءها وتضعف موقعها.

يجب على الجزائر إعادة تقييم سياستها الخارجية لتجنب المزيد من العزلة، فالمنطقة بحاجة إلى استقرار وحوار، لا إلى تصعيد يغذي الصراعات.

الجزائر، بمواردها وتاريخها، قادرة على لعب دور بناء، لكن ذلك يتطلب التخلي عن الهياج الدبلوماسي والعودة إلى طاولة التفاوض، فهل ستختار الجزائر الحكمة، أم ستستمر في نهش كل من حولها؟