ماذا يعني الحكم الذاتي المغربي للصحراء الغربية

في خطوة تحسم صراع الصحراء لصالح المغرب، صوّت مجلس الأمن الدولي يوم الجمعة 31 أكتوبر 2025، بمبادرة أمريكية صريحة، لصالح دعم خطة الحكم الذاتي المغربية في الصحراء الغربية، معتبراً إياها “الحل الأكثر واقعية وفعالية” للنزاع الذي يمتد لأكثر من نصف قرن.

هذا القرار، المُسجل تحت رقم 2797، لم يكن مجرد تمديد روتيني لولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو) لمدة 12 شهراً إضافية، بل إعلاناً تاريخياً يدعو الأطراف إلى “الحوار دون شروط مسبقة، مستنداً إلى مقترح الحكم الذاتي المغربي”، بهدف “حل سياسي نهائي يوفر حكم ذاتي لشعب الصحراء”.

رغم معارضة الجزائر، التي امتنعت عن التصويت، وحيث امتنعت روسيا والصين وباكستان– رموز المعسكر الشرقي – أيضاً، جاء الدعم من 11 أعضاء، بما في ذلك فرنسا وبريطانيا، العضوين الدائمين في المجلس، مما يعكس تحولاً جيوسياسياً يفضل الاستقرار الليبرالي على فوضى النزاعات المتجمدة.

ثمار صفقة المغرب وإسرائيل والولايات المتحدة

تبني مجلس الأمن للحكم الذاتي المغربي إنه امتداد للاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الإقليم في ديسمبر 2020، مقابل تطبيع العلاقات مع إسرائيل ضمن الاتفاقيات الإبراهيمية، والذي ترجم إلى تأييد دولي واسع من أكثر من 120 دولة اليوم.

نجاح الخطة يعود إلى الدبلوماسية المغربية، التي كسبت تأييداً من الغرب: الولايات المتحدة (2020)، إسبانيا (2022)، فرنسا (2024)، ألمانيا (2024)، وبلغاريا وسلوفينيا (2024).

في خطاب الملك محمد السادس يوم 31 أكتوبر 2025، أعلن تحديث الخطة لتوسيعها، معتبراً القرار “مرحلة حاسمة”.

أكثر من 30 دولة فتحت قنصليات في العيون والداخلة، مما يعزز الاقتصاد حيث صادرات الفوسفات بلغت 3 مليارات دولار سنوياً، ومشاريع طاقة متجددة بـ2 جيجاوات ويمكن للمملكة استغلال ثرواتها الصحراوية والتنقيب بشكل حر عن النفط والغاز.

وتعد الولايات المتحدة الأمريكية أكبر حليف للمغرب تاريخيا، إلى جانب فرنسا وقد انضمت إليه اسبانيا والبرتغال وبقية دول الإتحاد الأوروبي التي ترى فيه شريكا جادا ومستقرا.

وتقترح إدارة ترامب أن تلعب دور الوسيط في المفاوضات المغربية الجزائرية لتحقيق السلام ولتعترف الجزائر بمغربية الصحراء وتتخلى عن أوهامها التي تستنزف ميزانيتها في صراع خاسر ضد المغرب.

من فشل خطط بيكر إلى الواقعية المغربية في 2007

يعود النزاع في الصحراء الغربية إلى انسحاب إسبانيا كقوة استعمارية في 1975، حيث ضم المغرب الإقليم كجزء من “المغرب الكبير” التاريخي، بينما أطلقت جبهة البوليساريو، المدعومة من الجزائر، حركة استقلال مسلحة أدت إلى حرب استمرت حتى وقف إطلاق النار في 1991 تحت إشراف الأمم المتحدة.

كُلِّفَ جيمس بيكر، المبعوث الأممي، بصياغة حلول، لكنه فشل مرتين: الخطة الأولى (2001) اقترحت حكماً ذاتياً انتقالياً لثلاث سنوات يليه استفتاء استقلال، رفضها المغرب لأنها تفتح باب الاستقلال، أما الثانية (2003)، فاقترحت خمس سنوات انتقالية تليها استفتاء، قبلها المغرب مؤقتاً ثم رفضها نهائياً في 2004، معتبراً أي استفتاء “غير واقعي” بسبب الخلاف حول قوائم الناخبين حيث الكثير منهم ليسوا مغاربة أصلا بل مرتزقة من دول أفريقية مختلفة.

وفي أبريل 2006، شكَّل الملك محمد السادس المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية (كوركاس)، الذي زار دولاً عدة لشرح الفكرة، ثم قدم الرسالة الرسمية إلى مجلس الأمن في 11 أبريل 2007 (وثيقة S/2007/206).

الخطة مستوحاة من “اقتراحات الأمم المتحدة ذات الصلة”، ومن النماذج الدستورية في الدول “الجغرافياً والثقافياً القريبة”، مثل النموذج الإسباني للاستقلالية الإقليمية: الجزر الكنارية (استقلالية اقتصادية واسعة)، البلاد الباسكية (صلاحيات ضريبية خاصة)، أندلوسيا (حكم محلي في التعليم والصحة)، وكاتالونيا (قبل الأزمة 2017، كانت نموذجاً للحكم الذاتي).

وصفها المجلس في قرار 1754 (2007) بأنها “جادة وموثوقة”، مما مهَّد لمفاوضات مانهاسيت (2007-2008)، حيث كانت الأساس الرئيسي للاقتراح المغربي، رغم رفض البوليساريو الذي قدم بديلاً يوم 10 أبريل 2007 يركز على الاستقلال.

إنشاء “منطقة الصحراء الذاتية الحكم” تحت السيادة المغربية

جوهر الحكم الذاتي المغربي للصحراء الغربية يكمن في إقامة “منطقة الصحراء الذاتية الحكم” كإقليم اتحادي داخل المغرب، مع الحفاظ على السيادة الوطنية الكاملة.

الرسالة الرسمية (S/2007/206) توضح أن “المملكة تضمن لجميع الصحراويين، داخل الإقليم أو خارجه، مكانة مميزة”، مع التركيز على “الحكم الذاتي الواسع” في الشؤون المحلية، بينما تبقى الشؤون الاستراتيجية مركزية.

وتبنى المغرب على المستوى الداخلي الجهوية التقدمية التي تحول كل جهة إلى ولاية فيدرالية لديها صلاحيات أكبر لإدارة شؤونها وينتخب المسؤولين فيها كما هو الحال في ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية والهند.

بناء عليه سيكون للصحراء برلمان إقليمي يتكون من 90 عضواً (عدد قابل للتعديل)، نصف الأعضاء (45) يُنتخبون مباشرة من سكان الإقليم عبر الاقتراع العام، والنصف الآخر (45) يُعيَّنون من قبل السلطات المركزية بناءً على تمثيل القبائل التقليدية، لضمان التوازن بين الديمقراطية الحديثة والتراث البدوي.

يصدر هذا المجلس القوانين المحلية، ويُقرر الميزانية الإقليمية، ويُشرف على التنمية، مع إمكانية الطعن في القرارات المركزية إذا تعارضت مع الاستقلالية.

وسيكون هناك رئيس تنفيذي للمنطقة يُنتخب من قبل المجلس الإقليمي، يشكل حكومة محلية مسؤولة عن تنفيذ السياسات اليومية.

يُعيَّن والي (ممثل الدولة المركزية) للتنسيق بين الإقليم والمركز، لكنه لا يتدخل في الشؤون المحلية إلا في حالات الطوارئ الوطنية، مع العلم الدستور المغربي (المعدل 2011) يدعم هذا، حيث ينص المادة 135 على “الاستقلالية الإقليمية” كأساس للتنمية المتوازنة.

ستكون هناك أيضا محاكم إقليمية مستقلة تتعامل مع القضايا المحلية (مدنية، جنائية، إدارية)، مع إمكانية الاستئناف إلى المحكمة العليا في الرباط، تضمن الخطة استقلال القضاء المحلي، مستوحاة من النموذج الإسباني حيث تُدار المحاكم الإقليمية محلياً مع ضمانات وطنية.

هذا الهيكل يُصمم ليكون “غير نهائي”، كما يؤكد المغرب، بل أساساً للتفاوض، مع التأكيد على “الموافقة الشعبية” عبر استشارات أو استفتاء محلي بعد التنفيذ.

حقوق الإنسان ومجالس اقتصادية

لا تكتفي الخطة بالهيكل؛ فهي تضمن “كل الضمانات الدستورية لحقوق الإنسان كما هي معترف بها عالمياً” بما في ذلك حرية التعبير، المساواة، وحقوق الأقليات، تحت إشراف لجان مستقلة.

كما تُنشئ “مجلساً اقتصادياً واجتماعياً” يضم ممثلين عن القطاعات الاقتصادية، المهنية، والجمعيات، بالإضافة إلى “شخصيات مؤهلة”، للمساهمة في السياسات.

وتُلْزِم الأطراف بالعمل “بجدية وأمانة” للموافقة الشعبية، مع تعديل الدستور المغربي لإدراج “نظام الحكم الذاتي” كضمانة، هذا يجعلها نموذجاً ليبرالياً، يعزز التنمية حيث يُساهم الإقليم بنسبة 10% من الإيرادات الوطنية، ويستفيد من استثمارات مغربية بلغت 10 مليارات دولار في الجنوب منذ 2007.

ويسيطر المغرب فعليا على الصحراء الغربية وقد بنى هناك مدنا وتجمعات سكنية وعمل على انشاء محطات تحلية المياه منذ القرن الماضي، فيما تتواجد البوليساريو على الأراضي الجزائرية ومن هناك تطالب بتقسيم المغرب وبناء دولتهم المزعومة وذلك بدعم من الجزائر.

ومن شأن نجاح الحكم الذاتي في الصحراء المغربية أن يؤدي إلى تنافسية كبرى بين مختلف أقاليم المملكة، وتوسيع مشاريع السكك الحديدية إلى الأقاليم الصحراوية ومنها أيضا الرباط الاقتصادي مع موريتانيا.