
لم يحتج المصريون هذا الأسبوع إلى نشرةٍ جوّية ليتابعوا حركة الرياح، فقد تكفّل الجن بإطلاق أعمدة الدخان من قلب القاهرة إلى أطراف الشيخ زايد، معلنًا افتتاح موسم الحرائق الصيفي بشعار: «ادفع فاتورتك قبل أن أدفعك إلى الحريق».
البداية كانت فجر 7 يوليو حين اشتعل سنترال رمسيس، حريقٌ التهم غرف معدات الاتصالات، أسقط ما لا يقل عن أربعة قتلى و27 مصابًا وفق بعض التقارير، وأصاب 14 آخرين على الأقل في حصيلةٍ رسميّة أولى، وأغرق الإنترنت المصري في ظلامٍ جعل مؤشرات الاتصال تهبط إلى 62٪ فقط من المعدل الطبيعي، كأنّ الجِنّيَّ نفسه ضغط زر «إيقاف الخدمة» قبل أن يضغط زر الاشتعال.
وفيما كانت عربات الإطفاء تفرغ آخر دفعات المياه، قرّر الجِنّيُّ العودة مساء 10 يوليو ليُعيد تسخين الكابلات المدفونة داخل الجدران، في مشهدٍ بدا كأنه «ميكروويف سماوي» يرفض انتهاء الوجبة عند أول لدغة.
التقارير المحلية أرجعت الاشتعال المتكرر إلى مواد خشبية وكابلات تأبى أن تبرد سريعًا، لكن خيال الجمهور اختار نظريات المؤامرة التي تبسط الوقائع كما العادة: مَن أشعل السنترال هو الجن.
لم يكتفِ الجِنّيُّ بحسم حربه مع الاتصالات؛ ففي صباح 11 يوليو شُوهِدَت سحبٌ رمادية تتصاعد فوق «مول دبي» في الشيخ زايد.
شهود عيان أكدوا أن الشرارة انطلقت من «كوافير» بالدور الأرضي—فيما يُصرّ أنصار نظرية المؤامرة على أنّ الجِنّيَّ يحب رائحة «السبراي» أكثر من رائحة البنزين.
سيارات الحماية المدنية وصلت بسرعة، سيطرت على الحريق بلا إصابات، وبدأت عملية التبريد بينما كانت كاميرات الهواة تُحصي مساحات الدخان على طريقة عدّاد «أوزون» منزلي.
ورغم أن التحقيقات الأولية أشارت إلى ماسٍ كهربائي، إلا أنّ منشورات فيسبوك حسمت أن الجِنّيَّ كان يتسوّق بحثًا عن تخفيضات «نهاية الموسم» على العبايات الشفافة.
وبين الحدثين الكبيرين، سجلت الخرائط الحرارية للصحف سبعَ حرائقٍ إضافية توزعت بين مصنع منظفاتٍ في بدر ومركزٍ تجاري آخر في الشيخ زايد، ما حوّل رجال الإطفاء إلى نجوم «ترند» ينافسون مطربي المهرجانات على قوائم الأكثر بحثًا.
الخبراء تحدّثوا عن أسلاكٍ متهالكة وأحمالٍ زائدة، بينما يشرح البعض أنّ الجِنّيَّ ببساطة لا يحب رائحة المنظفات الكيميائية لأنها تُضعف البِسْمَلَةَ التي تُتلى لطرده من زوايا البيوت.
أما الشارع القاهري فقد انقسم كعادته: فريقٌ يطالب وزارة الاتصالات بتركيب «عوازل رقية»—وهي شرائح بلاستيكية تُقرأ عليها آياتٌ مختارة قبل التثبيت—وفريقٌ آخر يقترح إطلاق حملة «ادفع قبل أن تحترق»، بحيث تُنذَر الشركات والأفراد بأن تأخير الفواتير قد يثير حساسية الجِنّيّ ضد البلاستيك المعزول.
بعض المدونين اقترحوا أن تتعاقد الحكومة مع شيخٍ للتواصل مع كائنات الـ«5G» السفليّة؛ شيخٌ يزور السنترالات وقت الفجر، يقدّم كوب شاي بالنعناع للمقبس الرئيسي، ويساوم الجِنّيَّ على تخفيض طموحاته إلى «شرارة خفيفة» تُذكّر الناس بموعد السداد دون الحاجة إلى أعمدة دخان.
وفي حين تنتظر النيابة تقارير الأدلة الجنائية، يروّج أصحاب خيال الظل لحكايةٍ تقول إن الجِنّيَّ بدأ مهمته انتقامًا من زميلٍ له احترق في سواد الأسفلت أيام بناء الكباري فوق المقابر؛ ومنذ ذلك الحين، استقر في كابلات النحاس ينتظر أشعةَ شمسٍ زائدة أو فتيلَ ماسٍ زائد، ليُعلن للناس أنّ التأخير في دفع المستحقات لا يُغضب شركات الاتصالات وحدها بل يُغضب عالمًا خفيًّا كاملًا.
وسط كل هذا اللهيب، انتصر الخيال الشعبي مجددًا على البيانات الرسمية، فالمصري الذي لم يقتنع بتقارير «ماس كهربائي» عام 1992 ولا عام 2011، لن يُقنعه أيّ تقريرٍ عام 2025.
وما دام الجِنّيُّ يوفّر روايةً تَصلح لأمسية قهوة و«شيشة» على رصيف شمس المترو، ستظلّ التفسيرات العلمية مجرد نسخةٍ باهتة من «ألف ليلةٍ وليلةٍ» بلا صهيل جنّ ولا صدى نارٍ ولا رائحة طَبَقٍ محترق.
