هل تستطيع الجزائر رفع الناتج المحلي إلى 400 مليار دولار بحلول 2027؟

في خطوة تعكس طموحات اقتصادية متصاعدة، تستهدف الحكومة الجزائرية رفع الناتج المحلي الإجمالي إلى 400 مليار دولار خلال السنوات الثلاث المقبلة، ما يعني تحقيق معدل نمو تراكمي يقارب 54% بحلول 2027.

ورغم أن الاقتصاد الجزائري سجل نمواً مطرداً منذ 2021 مدفوعاً بتحسن أسعار النفط والغاز، إلا أن بلوغ هذا الهدف يتطلب أكثر من انتعاش ظرفي في قطاع المحروقات.

بحسب مشروع الموازنة العامة، يُتوقع أن يصل الناتج المحلي إلى 284 مليار دولار فقط بنهاية 2025، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حقيقية: هل لدى الجزائر الأدوات الكافية، والتنوع الاقتصادي المطلوب، لتحقيق هذه القفزة النوعية؟ وما هي المخاطر التي قد تعرقل هذا المسار؟

أين يقف اقتصاد الجزائر اليوم؟

يشهد الاقتصاد الجزائري منذ 2021 حالة من التعافي التدريجي، مدفوعة بتحسن أسعار النفط والغاز، وهما المصدران الرئيسيان للعملة الصعبة والركيزة الأساسية للناتج المحلي.

وفقاً لصندوق النقد الدولي، نما الاقتصاد بنسبة 4.1% في 2023، وسط أداء قوي لقطاع الطاقة، وزيادة في الإنفاق الحكومي لاحتواء التضخم وتحفيز النشاط المحلي.

ومع ذلك، لا يزال الاقتصاد هشاً من حيث التنوع، حيث تمثل المحروقات أكثر من 90% من عائدات التصدير و40% من الناتج المحلي.

ومع إعلان الحكومة في مشروع موازنة 2025 عن تقديرات ترفع الناتج المحلي الإجمالي إلى 284 مليار دولار، فإن الجزائر تقف عند مفترق طرق حاسم: إما استثمار الفوائض البترولية لإطلاق تحول اقتصادي حقيقي، أو البقاء ضمن دورة الازدهار والانكماش المرتبطة بأسواق الطاقة.

وتكشف المعطيات الحالية عن قاعدة مالية أكثر استقراراً، لكنها لا تزال مهددة بعوامل خارجية، مثل تقلب أسعار النفط، وتباطؤ الطلب في الأسواق الأوروبية.

400 مليار دولار.. الهدف الطموح في 2027

تطمح الجزائر إلى رفع الناتج المحلي الإجمالي إلى 400 مليار دولار بحلول عام 2027، ما يعني تحقيق قفزة بنسبة 54% خلال 3 سنوات فقط.

هذا الهدف جريء بالنظر إلى حجم الاقتصاد الحالي الذي يُتوقع أن يبلغ 284 مليار دولار في نهاية 2025، وفقاً لأرقام الحكومة.

للوصول إلى هذا المستوى، يحتاج الاقتصاد إلى متوسط نمو سنوي يقارب 15%، وهو رقم يتجاوز بكثير متوسط النمو في العقد الأخير.

وتعكس هذه الأرقام طموح الحكومة في استغلال الفوائض المالية المتراكمة من صادرات الطاقة لإعادة هيكلة الاقتصاد، وتحسين البنية التحتية، ودعم القطاعات الإنتاجية غير النفطية.

لكن الخطة ما زالت تفتقر إلى خارطة طريق واضحة، في ظل غياب إصلاحات ضريبية جريئة، وتحديات مزمنة تتعلق بالمناخ الاستثماري والبيروقراطية وضعف التمويل الموجه للقطاع الخاص.

ما بين النفط والإصلاحات.. من يقود النمو الجزائري؟

رغم الخطاب الرسمي الذي يؤكد على “تنويع الاقتصاد”، لا يزال قطاع المحروقات هو المحرك الأول والأكثر تأثيراً على النمو في الجزائر.

فمع كل ارتفاع في أسعار النفط والغاز، تسجّل المالية العامة فائضاً، وتتحسن مؤشرات الاحتياطي من النقد الأجنبي، بينما يؤدي تراجع الأسعار إلى تجدد الضغوط على الموازنة وتباطؤ النمو.

في المقابل، ورغم الحديث المتكرر عن إصلاحات هيكلية، لم يظهر أثر جوهري حتى الآن في القطاعات غير النفطية، كالصناعة والسياحة والزراعة، تعاني هذه القطاعات من ضعف الإنتاجية، وقلة الاستثمارات، وبيئة تنظيمية تُثقل كاهل القطاع الخاص المحلي والأجنبي على حد سواء.

التحفيز المالي الذي تضخه الدولة يذهب في معظمه نحو دعم الاستهلاك وتمويل مشاريع بنية تحتية، دون أن يرافقه إصلاح ضريبي أو مصرفي حقيقي يعيد توجيه الاقتصاد نحو الابتكار والإنتاج، ومع غياب بورصة نشطة، ومحدودية أدوات التمويل، تبقى الإصلاحات أقرب إلى الوعود منها إلى التحولات الهيكلية.

المخاطر التي تهدد هدف الـ 400 مليار دولار

في طريقها نحو تحقيق ناتج محلي إجمالي بقيمة 400 مليار دولار، تواجه الجزائر مجموعة من التحديات البنيوية والظرفية قد تعرقل هذا المسار الطموح.

أولى هذه المخاطر تتمثل في الاعتماد الكبير على صادرات الطاقة، التي تجعل الاقتصاد مكشوفاً أمام أي هبوط حاد في أسعار النفط والغاز، وهو احتمال وارد في ظل تقلبات السوق العالمية والضغوط المناخية على الطلب.

ثانياً، تُعد البيروقراطية الثقيلة والبيئة الاستثمارية غير الجاذبة من أبرز العوائق أمام تنمية القطاع الخاص المحلي واستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية، فرغم التحسينات القانونية الأخيرة، لا تزال الجزائر تتذيل مؤشرات سهولة ممارسة الأعمال، مع غياب إصلاحات جذرية في منظومة التمويل، والقضاء التجاري، وسياسات التصدير.

ثالثاً، يواجه الاقتصاد ضغطاً داخلياً متزايداً بسبب النمو السكاني والطلب الاجتماعي على الوظائف والدعم الحكومي، ما يرفع من فاتورة الإنفاق الجاري ويقلّص الحيز المالي المتاح للاستثمار التنموي، ويأتي هذا في وقت تحذر فيه مؤسسات مالية دولية من تفاقم فاتورة الدعم وتآكل الاحتياطيات في حال غياب ضبط مالي فعّال.

وأخيراً، فإن غياب الشفافية في الرؤية الاقتصادية طويلة الأمد وعدم وضوح الأولويات القطاعية يعمّق الغموض لدى المستثمرين، ويجعل من الصعب قياس مدى التزام الحكومة بتحقيق تحول اقتصادي حقيقي.

تقييم واقعي لإمكانية الوصول إلى 400 مليار دولار خلال 3 سنوات فقط

تحقيق قفزة في الناتج المحلي من 260 مليار دولار (2023) إلى 400 مليار دولار في 2027، يتطلب نمواً سنوياً تراكمياً بمتوسط يفوق 15%، وهي وتيرة نادرة حتى في الاقتصادات الناشئة سريعة النمو.

لم تحقق الجزائر هذا المعدل حتى في ذروة انتعاشها النفطي، ما يضع الهدف في خانة الطموح المرتفع أكثر منه السيناريو الواقعي.

للمقارنة، بلغت ذروة النمو الاقتصادي للجزائر في العقدين الأخيرين نحو 6.3% (عام 2003)، في وقت تجاوز فيه سعر برميل النفط 100 دولار، وتمتعت البلاد حينها بقدرات تصديرية أوسع في قطاع الطاقة.

اليوم، وفي ظل التحولات الطاقية العالمية، وتقلص الحقول الإنتاجية، والضغوط البيئية، يصعب تصور استمرار نفس الزخم.

إضافة إلى ذلك، لا تُحتسب فقط معدلات النمو الاسمي في الناتج المحلي، بل أيضاً قوة الدينار، ومعدلات التضخم، وحجم الاقتصاد الحقيقي القابل للقياس.

ومن دون إصلاحات عميقة تُحدث قفزة في الإنتاج المحلي، وتحسين مناخ الأعمال، وتوسيع القاعدة الجبائية، فإن الوقت وحده لن يكون كافياً.

المؤكد في النهاية أن هذا هدف اعلامي وتسويقي أكثر منه هدف واقعي يمكن تحقيقه، لكنه يمكن أن يدفع البلد إلى تحقيق طفرة في النمو إذا تبنت إصلاحات حقيقية.