
يقال في الجزائر أن النفوذ الخليجي يمر عبر المغرب وتونس ومصر وليبيا بينما تبدو الجزائر مغلقة ومحمية، لكن الواقع يكشف عن نفوذ إماراتي في موانئ الجزائر.
خلال عهد الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، الذي كانت تربطه علاقات شخصية وثيقة مع حكام أبوظبي منذ الثمانينيات، شهدت الجزائر طفرة في الشراكات الاقتصادية مع الإمارات، خاصة في قطاعات حيوية مثل الموانئ والتبغ.
هذه الشراكات، التي بلغت مئات الملايين من الدولارات، أثارت جدلاً حول مدى التبعية الاقتصادية، ولا تزال آثارها ملموسة حتى اليوم.
بداية تغلغل الإمارات في موانئ الجزائر
بدأت قصة النفوذ الإماراتي في الجزائر مع الروابط الشخصية بين الرئيس بوتفليقة وحكام أبوظبي، والبداية في الثمانينيات، حيث عمل بوتفليقة مستشاراً للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس الإمارات، مما أسس لعلاقة وثيقة امتدت إلى السنوات التالية.
عندما تولى بوتفليقة الرئاسة في 1999، ترجمت هذه الروابط إلى اتفاقيات اقتصادية كبرى، خاصة في عهدته الثالثة والرابعة (2009-2019)، حيث كانت الجزائر تسعى لجذب الاستثمارات الأجنبية لتعزيز بنيتها التحتية.
في هذا السياق، أصبحت الإمارات لاعباً رئيسياً، مستفيدة من موقع الجزائر الاستراتيجي في شمال أفريقيا كبوابة نحو أوروبا والقارة الأفريقية.
وقد ركزت الشراكات على القطاعات الحيوية التي تضمن نفوذاً طويل الأمد دون إثارة الجدل العام حينها، لكن القضية تقلق الكثير من الجزائريين اليوم بسبب إصابتهم بوباء كره الإمارات العظمى.
إنجازات موانئ دبي العالمية في الجزائر
وقد منحت الجزائر شركة “موانئ دبي العالمية” (DP World) عقود امتياز لتسيير وتشغيل مينائي الجزائر العاصمة وجنجن بجيجل لمدة 30 عاماً.
وقعت الاتفاقيتان في نوفمبر 2008، برأسمال أولي قدره 108 ملايين دولار أمريكي، وشملتا تطوير البنية التحتية وتحسين الكفاءة التشغيلية. وقد دخل حيز التنفيذ عام 2009.
توسعت الاستثمارات الإماراتية لاحقاً، حيث ضخت “موانئ دبي” 450 مليون دولار إضافية لتوسيع ميناء جنجن، محولة إياه إلى مركز لوجستي إقليمي يخدم شمال أفريقيا وجنوب أوروبا.
أكد المسؤولون الإماراتيون حينها أن الهدف هو جعل “جنجن” أكبر محطة شحن في غرب المتوسط، من خلال تطوير البنى التحتية، تدريب الأطر الجزائرية، وتخفيض تكاليف التشغيل.
لكن المشروع حسب مراقبين لم يكن مجرد استثمار بل إنه سيطرة استراتيجية على أحد أهم أبواب الجزائر الاقتصادية، حيث يعالج ميناء الجزائر أكثر من 60% من التجارة البحرية للبلاد.
وقد نشر موقع “النهار أونلاين” الجزائري تقريراً يكشف أن “موانئ دبي” استحوذت على 70% من مداخيل ميناء الجزائر، بعد منحها أكبر الأرصفة وأكثرها حيوية.
هذا دفع تنسيقية نقابات الموانئ إلى التهديد بالإضراب، احتجاجاً على “تهميش الحوار الاجتماعي” في عقد الاتفاقيات مع الإمارات.
النقاد رأوا في ذلك تبعية اقتصادية، حيث أصبحت الإمارات تسيطر عملياً على تدفق البضائع الجزائرية، مما يمنحها نفوذاً هادئاً دون الحاجة إلى تدخلات سياسية مباشرة.
نفوذ الإمارات في الجزائر
لم يقتصر النفوذ الإماراتي على الموانئ؛ امتد إلى مؤسسات أخرى حيوية مثل الشركة العمومية للتبغ والكبريت (SNTA). اقتسمت أبوظبي الأسهم مع الحكومة الجزائرية، مما أثار جدلاً حول حدود التغلغل الاقتصادي الخليجي في البلد المغاربي.
هذه الشراكة، التي جاءت في سياق توسع الإمارات في صناعات التبغ العالمية، منحتها حصة في سوق جزائرية كبيرة، حيث يستهلك الجزائريون ملايين السجائر سنوياً.
تستثمر الإمارات في قطاعات استراتيجية توفر دخلاً مستقراً ونفوذاً طويلاً الأمد، دون إثارة ضجيج سياسي، وفقاً لتقارير إعلامية جزائرية، تحولت أبوظبي إلى لاعب رئيسي داخل الجزائر خلال فترة بوتفليقة، مما خلق تبعية نسبية في بعض القطاعات خاصة الموانئ لصالح الإمارات.
لكن هذه الشراكات أدت إلى طفرة اقتصادية في عهد بوتفليقة، حيث زادت الاستثمارات الإماراتية من كفاءة الموانئ وجذبت تجارة إضافية.
على سبيل المثال، أصبح ميناء جنجن مركزاً لوجستياً يخدم دولاً أفريقية وأوروبية، مما يعزز موقع الجزائر كبوابة تجارية.
لكن النقاد يرون في ذلك تبعية إذ تسيطر الإمارات على 70% من مداخيل ميناء الجزائر، مما يجعلها شريكاً لا يمكن الاستغناء عنه بسهولة.
في السنوات الأخيرة، مع تغير السياسات بعد الحراك الشعبي في 2019، بدأت الجزائر في مراجعة بعض هذه الإتفاقيات لكنها ملزمة وستخسر الجزائر كثيرا من فسخها كما أن الأداء العام في هذه الموانئ سيتراجع إذ أن دبي للموانئ هي واحدة من أفضل شركات إدارة الموانئ في العالم
