
لطالما كانت الديانات أو بالأحرى الإختلافات بينها سبب جوهري في النزاعات بين الناس والمجتمعات عبر تاريخ البشرية، وإن كانت المصالح هي التي تتحكم في قطار السياسة.
وتستخدم الديانات في الدول القائمة على الحكم الديني من أجل تقوية الحكم وبقاء الحاكم في السلطة، واضفاء الطابع الديني على القرارات السياسية المختلفة.
وقد تحولت الديانات إلى جزء من اللعبة السياسية، إذ يبحث رجال الدين عادة عن نصوص دينية أو فتاوى قديمة من أجل تبرير تصرفات وقرارات حديثة.
ويعد الصراع السعودي الإيراني في السنوات الأخيرة مذهبيا وطائفيا بامتياز على المستوى الشعبي، لكن على مستوى المؤسسات هو تنافس بين قوتين اقليميتين على النفوذ.
ببساطة يمكن استخدام الأديان لتعميق الانقسامات الاجتماعية وحتى تأجيج التوترات، إلا أنها يمكن أن تساعد أيضًا في التقريب بين الحكومات وإقامة تحالفات غير محتملة.
يتم استكشاف ديبلوماسية الدين من قبل الحكومات في جميع أنحاء العالم كأداة لتسهيل التفاهم بين الدول، دون إهمال المصالح الوطنية.
لذا ليس من قبيل المصادفة أن الدبلوماسية الدينية كانت كامنة للغاية خلال العامين الماضيين في الشرق الأوسط والمغرب العربي تحث مسمى اتفاقيات ابراهيم.
شهدت هذه الفترة حركات جيوسياسية غير مسبوقة أدت إلى إعادة تشكيل تدريجية للعلاقات بين الدول، وإعادة تنظيم التحالفات.
عززت اتفاقيات إبراهيم الموقعة في أغسطس 2020 بين إسرائيل ودولتين عربيتين، الإمارات العربية المتحدة والبحرين، التقارب الهادئ الذي لا يمكن وقفه الذي كان يجري منذ سنوات بين تل أبيب والعديد من الحكومات في شبه الجزيرة العربية.
من خلال اتفاقيات إبراهيم، حصلت إسرائيل على اعتراف رسمي بالإمارات والبحرين، تبع هذا الاعتراف افتتاح الأسواق المحلية الإسرائيلية أمام المستثمرين الإماراتيين والبحرينيين والعكس صحيح.
سارع المغرب للانضمام إلى الاتفاقات وتطبيع العلاقات مع إسرائيل في ديسمبر 2020، وقد اعتمدت المملكة العلوية تقليديًا موقفًا أقل انتقادًا لإسرائيل مقارنة بالحكومات الأخرى في العالم العربي، مع الإشارة أيضًا إلى مشاركة جزء من مجتمعها اليهودي في الشؤون السياسية لهذا البلد والروابط التاريخية العميقة بين اليهود والمسلمين في هذا البلد.
إن الدوافع السياسية والاقتصادية التي دفعت المغرب والإمارات والبحرين للانضمام إلى هذه الاتفاقيات التاريخية واضحة، على الرغم من ضغوط الولايات المتحدة التي سعت لتقديم اتفاقات إبراهيم على أنها انتصار لإدارة ترامب في عهدها، وهو السعي للمساهمة في استقرار الشرق الأوسط.
لكن اتفاقيات إبراهيم، بعيدًا عن التركيز على القضايا الإقتصادية فقط، ترافقت مع تعاون أكبر في الأمور الدينية، إن الإشارة إلى والد الأديان التوحيدية الثلاث باسم الإتفاقيات هو مؤشر واضح على أنها لا تهدف فقط إلى محاولة حل نزاع سياسي، ولكن أيضًا لتعزيز التفاهم الديني.
استخدمت الإمارات التقارب مع إسرائيل لتعزيز الحوار بين ديانات الأغلبية في كلا البلدين، الإسلام واليهودية.
في نوفمبر 2020، شارك وزراء إسرائيليون وإماراتيون في حدث مع ممثلين عن ثماني ديانات حاضرين في كلا البلدين للاحتفال باليوم العالمي للتسامح.
كانت الإتفاقيات بمثابة تحذير أيضًا من التمييز على أسس دينية، كما يتضح من مذكرة تاريخية ضد معاداة السامية تم توقيعها بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة في أكتوبر 2020.
منذ عام 2019، أولت الحكومة الإماراتية أهمية كبيرة للمسائل الدينية، وتعد زيارة البابا فرنسيس إلى الإمارات العربية المتحدة في عام 2019، وهي المرة الأولى في التاريخ التي يزور فيها بابا الفاتيكان شبه الجزيرة العربية، هي مثال آخر على ذلك.
وتعمل البحرين أيضًا على تطوير الدبلوماسية مع الدين في جوهرها، كما يتضح من الافتتاح الأخير لأكبر كنيسة في الخليج العربي في ديسمبر 2021، بسعة حوالي 2500 شخص.
كما تنظر إسرائيل والإمارات والبحرين إلى دبلوماسية الدين وتعزيز التسامح الديني على أنهما أحد أعمدة قوتها الناعمة، أي قدرتها على أن يُنظر إليها على أنها جذابة لمواطني وحكومات الدول الأخرى.
بينما انضم المغرب إلى دبلوماسية الدين خاصة منذ الاعتراف المتبادل مع إسرائيل، أعلنت الحكومة المغربية في ديسمبر 2021 عن إعادة تأهيل أكثر من 13 ألف مقبرة يهودية في فاس، فضلا عن ترميم المعابد وغيرها من دور العبادة.
وعلى الرغم من أن الجالية اليهودية في البلاد يبلغ عددها حاليًا بضعة آلاف، فإن تاريخ المغرب مرتبط منذ فترة طويلة باليهودية، حيث كان موطنًا لأكثر من 300000 يهودي في منتصف القرن العشرين واليوم ما يقرب من 7٪ من السكان اليهود في إسرائيل هم من أصل مغربي حسب تعداد 2019.
في الواقع، حتى قبل توقيع اتفاقيات إبراهيم، تم إجراء تجديدات كبيرة لأماكن العبادة اليهودية في الدار البيضاء في عام 2016.
ومع ذلك، فتحت الاتفاقيات آفاقًا جديدة للتعاون بين المغرب وإسرائيل، وأصبح الحفاظ على الثراء الثقافي والديني وتعزيز الحوار بين الثقافات أحد الأهداف الرئيسية للاتفاقيات وركيزة لدبلوماسية البلدين.
مع اتفاقيات ابراهيم، فتح فصل جديد في العلاقات العربية الإسرائيلية، على الرغم من أن اتفاقيات إبراهيم مدفوعة بالمصالح التجارية والدبلوماسية، فقد وفرت فرصة فريدة لتحسين التفاهم بين أتباع الديانات المختلفة.
تظهر دبلوماسية الدين أن حماية المصالح الوطنية لا تتعارض دائمًا مع تعزيز الإحترام والتسامح بين الشعوب والأفراد من مختلف الثقافات والأديان، بل تصب في صالح المصالح الإقتصادية، وأن مفاهيم اليسارية والإسلام السياسي قد عفا عنها الزمن واتضح فشلها.
