تعيش السلفية الوهابية والفرق السلفية المختلفة أزمة وجود حقيقية في السنوات الأخيرة بعد هزيمة الإخوان وداعش والجماعات الدينية التي حاولت السيطرة على الحكم في كل من سوريا ومصر وليبيا وتونس وفشلت.
وما يجعل أزمة هذا المذهب حاليا مشابهة تماما لأزمة الشيوعية قبل انهيار الإتحاد السوفياتي هو أن السعودية التي ظلت لعقود طويلة منارة هذا التوجه الديني ومموله وناشره قد غيرت موقفها تماما بقيادة الأمير الشاب محمد بن سلمان.
لقد أدرك الأمير الشاب والقيادة الجديدة في المملكة أن المذهب السلفي الوهابي يتعارض تماما مع التقدم الإقتصادي الذي تطمح إليه السعودية، وأنه خلق أجيالا متعصبة دينية متواكلة وتحن للماضي كثيرا ولا تعمل لحاضرها ومستقبلها وتعيش على أموال النفط الذي بدأت شمسه في الغروب.
في مقابلة صحفية يوم 27 أبريل الماضي، أوضح محمد بن سلمان موقفه أكثر اتجاه المدرسة الدينية المعتمدة في بلده منذ تأسيس السعودية على دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب المتشدد والمتأثر برجل متشدد آخر وهو ابن تيمية.
رؤية محمد بن سلمان والسلفية الوهابية:
في المقابلة الصحفية قال ولي العهد السعودي: “لا نتبع مدرسة أو عالما معينا … الشيخ محمد بن عبد الوهاب لو خرج من قبره ووجدنا نؤلّهه ونطبق نصوصه دون اجتهاد لرفض الأمر… فلا توجد مدرسة ثابتة، ولا يوجد شخص ثابت، القرآن والاجتهاد مستمران، وسنة المصطفى والاجتهاد مستمران، وكل فتاوى حسب كل زمان ومكان، وكل فهم، يعني مثلاً قبل مئة عام يفتي أحد المشايخ الأجلاء بفتوى معينة وهو لا يعرف أن الكرة الأرضية مدورة أم لا، ولا يعرف قارات العالم، ولا التقنية، وإلى آخره، فتواه بناء على معطيات ومعلومات عنده، وفهمه للقرآن والسنة، لكن هذه تتغير في وضعنا الحالي”.
ويبدو من تصريحه أنه يعترف بحالة طلاق المملكة السعودية عن السلفية الوهابية والتي لطالما كانت أساس الحكم في المملكة بل وأيضا المعينة الأساسية لبسط السيطرة والحكم وتوجيه الشعب السعودي.
تأتي هذه الرؤية في الواقع بعد عقود من التمويل والدعم السعودي لكافة الجماعات التي تتبنى السلفية منهجا لها، ومن هنا جاءت بعض الجماعات المتشددة مثل داعش والتي أعلنت الحرب لاحقا على المملكة وانشقاقها خصوصا مع صعود القيادة الجديدة التي تخلت عن دعم تلك الجماعات في سوريا وبقية الدول التي تتحارب فيها.
ويرغب الأمير الشاب في أن يكون بلده مثال للتسامح والتعايش ويبتعد تماما عن شبهة الإرهاب الفكري الذي اعتمده الكثير من رموز السلفية.
مشكلة المذهب السلفي الوهابي في أساسه:
المذهب المحسوب على تيار أهل السنة والجماعة، هو مذهب لا يقبل التجديد كثيرا إلا إذا تعرض لضغوط سياسية أو كان ذلك في صالح نظام الحكم بالبلد الذي يتواجد به.
وحسب مراقبين ومهتمين بالشأن الإسلامي فإن هذا التيار هو من أكثر التيارات تعصبا لأفكاره والمعتمد لسياسة تكفير الآخر، إذ يرى أن التراث الإسلامي الذي تشكله الكثير من الأحاديث المشبوهة والأحداث السيئة غير قابل للمساس وهو مقدس مثله مثل القرآن، وأن الكثير من القضايا حسمت ولا تقبل الإجتهاد.
ويناقض المذهب نفسه إذ أنه في وقت يؤكد على أن الإجتهاد أمر مرغوب فيه ويسلط الضوء على بعض السياسات والإجراءات الخاصة التي طبقها السلف وفق اجتهاداتهم الخاصة، إلا أنه يفرض الإلتزام بما نتج عن اجتهاد السلف وأنه على الأتباع والمسلمين حاليا الإبتعاد عن اعمال العقل وترديد نصوص ونتائج اجتهادات بشرية وتقديسها.
ويقوم الفقه السلفي على التطبيق الحرفي للنصوص والأخذ بظاهرها، والتطبيق الحرفي واللفظي بالأحكام مع تجاهل واضح للتقاليد ومعيشة الناس والظروف القائمة.
ويرى المذهب أن أفضل زمان للمسلمين كان في الماضي وأنه ينبغي علينا أن نعود للوراء ولو على حساب التطور التقني والتكنولوجي وهذا كي يعود الإسلام قويا، لذا نتج عن ذلك أجيال تحن للماضي وتتباكى على الأطلال ولا تعمل لحاضرها ولا لمستقبلها.
أصبح أي شيء جديد بمثابة تهديد أو عدو للأمة، لذا تم مقاومة الكثير من الإختراعات ومحاربتها والتأخر في تبنيها حتى تفوقت الأمم الأخرى وأصبحت الرائدة في الكثير من العلوم.
ومن المعلوم أن الفقه السلفي قد حارب بقوة الإجتهاد واعادة تفسير القرآن وادعى أن اجتهاد ابن تيمية وتلاميذه ودعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب أمور مقدسة غير قابل للنبش فيها، كما حارب الفرق العقلانية والفلاسفة والمفكرين والفرق الباطنية وحتى التصوف.
ونتيجة لانتشار هذا الفكر في القرون الماضية واعتماده تراجع التجديد الديني والإبتكار والإجتهاد، وأصبحت أي خطوة في الحياة للإبتكار أو تطويرها تستلزم العودة لرجال الدين وسؤالهم إن كان ذلك حلالا أم حراما.
عصا السلفية في عجلة اقتصاد السعودية:
ترغب المملكة الكبيرة في أن تستقطب الملايين من السياح وتنوع من مصادر دخلها والبقاء ضمن أغنى الدول في العالم وصناعة جيل جديد من الشباب متمكن من العلوم ونشيط ويتطلع للمستقبل، وهو أمر يرفضه أو يقاومه أنصار الفكر السلفي.
يرى هؤلاء أن الأرض السعودية كلها مقدسة وينبغي أن لا يكون عليها أي نشاط سياحي وتكون فقط ملاذا للمسلمين دون غيرهم، لذا فإن أنشطة السياحة وبناء المدن القائمة على ذلك هو أمر مخالف تماما وينبغي صده ومنعه.
ومن جهة أخرى تنفق السعودية سنويا مليارات الدولارات في السنوات الماضية والتي ترسل إلى جماعات نشر الدين الإسلامي وفق العقيدة الوهابية في أفريقيا وأوروبا وبقاع العالم، وهو أمر غير مقبول في ظل رفض الرياض لدعم التشدد الديني والإرهاب وأيضا تراجع عائدات النفط.
إقرأ أيضا:
نظرية المؤامرة وامكانية حظر كلوب هاوس في السعودية
استراتيجية مدينة الرياض في السعودية ومنافسة دبي

