
في واقعة تبدو كأنها مشهد محذوف من موسم جديد لمسلسل بيكي بلايندرز، قررت السلطات الأفغانية التعامل مع الموضة بطريقة أكثر تشويقًا من أي صراع بين تومي شيلبي وعائلة لي.
أربعة شبان في مدينة هرات لم يرتكبوا جريمة، لم يسرقوا بنكًا، ولم يشتبكوا مع عصابة منافسة… كل ما فعلوه أنهم ارتدوا قبعة مسطحة وسترة كلاسيكية ووقفوا أمام الكاميرا بثقة شيلبي المعتادة.
لكن في هرات، يبدو أن مجرد التشبه بـ”عصابة خيالية” يعتبر تهديدًا للأمن الروحي للدولة، ولذلك تحرّكت وزارة الأمر بالمعروف وكأنها تلقت بلاغًا بقيام “تنظيم أزياء متمرد”.
شرطة الاخلاق تلقي القبض على العصابة الإيطالية
بعد أن ألقت شرطة الأخلاق القبض على الرباعي، أعلنت وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما تسمّي نفسها رسميًا “وزارة الترويج للفضيلة ومنع الرذيلة” في بيانها أن الشبان الأربعة “كانوا يروّجون لثقافة أجنبية ويقلدون ممثلي الأفلام”، ما دفعها إلى احتجازهم وإخضاعهم لبرنامج “تصحيح” أو “إعادة تأهيل”.
بدا الأمر كأن الدولة اكتشفت خلية سرية تعمل على تهريب الموضة الأوروبية إلى هرات، وليس مجرد شباب في أوائل العشرينيات يبحثون عن لقطات لافتة على تيك توك وإنستغرام.
المتحدث باسم الوزارة، سيف الإسلام خيبر، نشر على منصات التواصل تصريحًا يؤكد فيه: “نحن مسلمون وأفغان، ولدينا ديننا وثقافتنا وقيمنا، وبفضل تضحيات عظيمة حمينـا هذا البلد من انتشار الثقافات الضارة، ونحن الآن ندافع عنه أيضًا”.
تصريح بدا وكأنه مشهد من خطاب قومي مكتمل الأركان، لولا أن القضية تتعلق… بقبعة ومعطف، لكن هذا امتداد لمنع حرية الملابس لدى النساء من قبل.
حاول أحد المسؤولين في حديثه لشبكة CBS التخفيف من حدة الخبر وأكد أن الشباب “لم يُعتقلوا رسميًا” بل “استُدعوا ونُصحوا ثم أُطلق سراحهم”.
لكن هذا “الإستدعاء” تضمن تسجيل فيديو ظهر فيه أحد الشبان وهو يعلن ندمه ويتعهد بارتداء ما يتماشى مع الشريعة، في لقطة بدت أشبه بمشهد اعتذار قسري من فيلم دعائي، أكثر منها نصيحة ودّية.
لا نعرف إن كان الشباب قد تعرضوا للجلد أو الضرب أو حتى بعض التوبيخ الجسدي أم فقط توقف الأمر عند التهديد والزجر اللفظي لكن كل شيء ممكن في دولة غارقة في الإستبداد الإسلامي.
وكما نقول دائما الحرية لا تتجزأ أبدا، عندما تدعو الحكومة أن تمنع صنفا أدبيا أو فكريا أو أعمالا إبداعية أو نوعا من الملابس فأنت تمنحها الشرعية للقيام بذلك مع أي شيء آخر لا يعجبها أو لا يناسب فكرها ببساطة.
تهريج جديد من حكم طالبان في أفغانستان
وبينما كان العالم يتعامل مع الخبر على أنه طرفة جديدة تنضم إلى سلسلة القرارات الغريبة التي اشتهرت بها حكومة طالبان منذ سيطرتها على أفغانستان عام 2021، كانت وزارة الأمر بالمعروف تتعامل مع الواقعة بمنتهى الجدية.
وأصدرت بيانا اكدت فيه أن الأمر لا يتعلق باستدعاء الشبان بل عن إدخالهم في برنامج “تصحيح” وإعادة تأهيل، وكأن الأفغان أمام خلية أزياء محظورة وليس أمام مجموعة شبان في أوائل العشرينيات قرروا، لسبب لا يعرفه إلا خوارزمية تيك توك، محاكاة هيئة رجال عصابة خيالية تدور أحداثها قبل قرن في بريطانيا.
المتحدث باسم الوزارة، سيف الإسلام خيبر، الذي بدا في كل تصريحاته وكأنه يواجه اختراقًا ثقافيًا واسع النطاق، أكد أن “الثياب التي ارتدوها لا تمتّ للهوية الأفغانية بصلة، وأن تقليد ممثلين من فيلم بريطاني لا يمكن قبوله في مجتمع مسلم يحضّ أفراده على الاقتداء بالسلف الصالح”.
لم يكتف خيبر بذلك، بل ذهب إلى حد وصف ما قام به الشبان بأنه انتهاك للقيم التي “دافع عنها الشعب الأفغاني بتضحيات عظيمة”، في إشارة غريبة توحي للقارئ بأن القتال خلال العقود الماضية لم يكن ضد احتلال ولا حرب أهلية بل ضد البدلات الرسمية المستوردة.
اللافت أن هذه الواقعة لا تأتي معزولة عن سياقها، فالحكومة التي منعت النساء من الجامعات، وأغلقت أمامهن الحدائق والمكتبات، وضيّقت على كل نشاط ثقافي لا يحمل صبغة تقليدية صارمة، باتت ترى في أي مظهر غير مألوف تهديدًا مباشرًا، حتى لو كان مجرد اختيار لقطعة ملابس عصرية.
وهكذا تحوّل تقليد شخصية خيالية مثل تومي شيلبي إلى جرم يستوجب “إعادة التأهيل”، وهذا المصطلح سمعناه أيضا في الصين التي تعمل على إعادة تأهيل المسلمين والمسيحيين هناك في السجون كي يصبحوا شيوعيين وأكثر ولاء للحزب الشيوعي المستبد.
