ابادة العلويين: من فتاوى ابن تيمية إلى مجازر الساحل السوري

ما يحدث في الساحل السوري هو إبادة العلويين واضطهادهم ببساطة، إنها جريمة تكشف داعشية دمشق وطبيعة النظام السوري الجديد.

لم يكن اضطهاد العلويين -ولا يزال- حدثًا خطيًا مُستمرًا، بل ظاهرة مُتقطعة تأثرت بسياقات السلطة والصراعات الإقليمية، حيث امتزج التراث الفقهي القديم مع مصالح سياسية حديثة لخلق نظام من الاستغلال الطائفي.

وحتى الآن هناك أكثر من 1000 قتيل في الساحل السوري أغلبهم من العلويين، والأرقام مرشحة حسب تقارير لتتجاوز 2000 قتيل.

مشكلة أتباع ابن تيمية مع العلويين

تعتبر فتاوى ابن تيمية (1263-1328م) نقطة تحول في الخطاب الإسلامي تجاه الفرق التي خرجت عن الإجماع السني، بما في ذلك العلويين (الذين كانوا يُعرفون آنذاك بـ”النُصَيْرية”).

جاءت هذه الفتاوى في سياق صراعات سياسية ودينية شديدة في القرن الرابع عشر، حيث كانت المناطق الشامية مسرحًا لصراعات بين القوى الإسلامية والمغول، بالإضافة إلى التوترات الداخلية بين الفرق الدينية.

في تلك الفترة، كان العلويون يعيشون في مناطق جبلية نائية في شمال سوريا، متمسكين بمذهبهم الذي يجمع بين عناصر إسلامية وإسماعيلية وصوفية، ومع أنهم لم يكونوا قوة سياسية أو عسكرية كبيرة، إلا أن موقعهم الجغرافي وأفكارهم اللاهوتية المغايرة جعلتهم هدفًا للتكفير.

أصدر ابن تيمية فتاوى شهيرة اعتبر فيها العلويين “خارجين عن الإسلام”، مستندًا إلى اعتقاداتهم التي رآها انحرافًا عن المعتقدات السنية التقليدية، على سبيل المثال، أشار إلى تقديسهم لعلي بن أبي طالب وتفسيراتهم الخاصة للقرآن الكريم، والتي اعتبرها بدعة خطيرة.

مع مرور الزمن، أصبحت فتاوى ابن تيمية مرجعًا للحركات الإسلامية السنية السلفية المتشددة، حيث استخدمت هذه الفتاوى لتبرير العنف ضد الأقليات الدينية، بما في ذلك العلويين.

شهدت الشبكات الاجتماعية بالتوازي مع الفوضى في الساحل السوري تدفقا غزيرا للمنشورات والتغريدات التي تحرض صراحة على إبادة العلويين وتهجيرهم

فتاوى ابن تيمية التي تحرض على إبادة العلويين

ليس من الصعب هذه الأيام الوصول إلى فتاوى التكفير والقتل والشيطنة التي أصدرها ابن تيمية، والتي يخجل منها المسلمين الحداثيين ويتبرأ منها الكثير منهم.

في “مجموع الفتاوى” (المجلد 28، ص 528-529) يقول:

“وأما النصيرية فهم كفار باتفاق المسلمين، لا يحل أكل ذبائحهم، ولا نكاح نسائهم، بل ولا يقرّون بالجزية، فإنهم مرتدّون عن دين الإسلام، ليسوا مسلمين ولا يهود ولا نصارى، ولا يجوز إبقاؤهم بين المسلمين إذا عُرِف أمرهم، بل يجب قتل رؤسائهم، وإقامة الحدود عليهم، واستتابة من يمكن استتابته منهم، فإنهم لا يلتزمون شرائع الإسلام، بل يأخذون من دين الإسلام ما وافق أهواءهم، وينكرون ما خالفها”.

ويضيف: “هؤلاء القوم لا يكونون مسلمين، وهم كفار منافقون، وإذا أظهر أحدهم الإسلام فإنه يُختبر، فإن أصرّ على عقيدته الباطنية قُتل، وإن تاب وخضع لشروط الإسلام أمكن قبوله بعد استتابته”.

فتاوى ابن تيمية استُخدمت لاحقًا كمصدر ديني من قبل بعض الجماعات التي تبنت العنف ضد العلويين وغيرهم من الفرق المخالفة مثل داعش والنصرة (الجهة الحاكمة لسوريا حاليا).

ومع ذلك، فإن هناك من يرى أن هذه الفتاوى كانت مرتبطة بظروف سياسية واجتماعية محددة في زمنه، حيث كانت الدولة الإسلامية تواجه تحديات من الفرق الباطنية.

تطبيق فتاوى ابن تيمية في الساحل السوري

في العصر الحديث، ينتقد الكثير من العلماء والباحثين هذه الفتاوى باعتبارها متشددة وغير مناسبة لمبدأ التعايش الديني والمذهبي.

كما أن بعض المؤرخين يرون أن مواقف ابن تيمية لم تكن مجرد اجتهادات دينية بقدر ما كانت استجابة لصراعات سياسية بين المماليك والفرق التي كانت تُعتبر تهديدًا للدولة في ذلك الوقت.

لكن الواقع أن الأمر أكبر من هذه التفسيرات، حيث يؤمن الكثير من أتباع السلفية بأن كلام ابن تيمية صحيح، وهم لا يحترمون معتقدات العلويين والدروز والباطنية ولولا الحكم المدني في الدول العربية لعملوا على ابادتهم.

يظهر هذا بشكل واضح في الساحل السوري حيث القوات السورية الحكومية الإسلامية السنية لجأت إلى العنف بشكل مفرط وإطلاق النار عشوائيا وتنفيذ اعدامات ميدانية في الرجال والأطفال والنساء وكبار السن بمن فيهم مئات لا علاقة لهم بالأحداث الأخيرة.

اعترف الرئيس السوري الشرع بالتجاوزات وأعلنت السلطات إيقاف بعض المجموعات العسكرية التي نكلت بالعلويين، لكن مقاطع الفيديو والتطورات التي تأتي من الساحل السوري تؤكد أن العنف لم يتوقف.

كما شهدت جوامع سوريا ومساجدها خطبا تحريضية داعشية ضد العلويين والدروز والأقليات الأخرى، محرضين عامة الناس على القتال والجهاد.

حسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، انقطعت الكهرباء ومياه الشرب عن مناطق واسعة في ريف اللاذقية، لليوم الثاني على التوالي وبلغ عدد القتلى الإجمالي حتى مساء اليوم السبت 1018 شخص، هم: 745 مدني جرى تصفيتهم وقتلهم بدم بارد في مجازر طائفية.