
في تطور لافت يعكس تقارباً عملياً نادراً وسط التوترات الإقليمية، أعادت إسرائيل تشغيل حقل الغاز الطبيعي “ليفياثان” بعد إغلاق دام 32 يوماً منذ بداية الحملة العسكرية الأخيرة ضد إيران.
القرار الذي أُعلن عنه يوم السبت الماضي لم يكن مدفوعاً فقط بالاحتياجات الإسرائيلية الداخلية، بل جاء أيضاً استجابة لضغوط مصرية وأردنية متزايدة بسبب أزمة طاقة حادة يعاني منها البلدان الجارين لها.
عودة ليفياثان.. والغاز يتدفق مجدداً إلى مصر
أعلنت وزارة الطاقة والبنية التحتية الإسرائيلية أن حقل ليفياثان – أكبر حقول الغاز الإسرائيلية – استأنف الإنتاج بشكل كامل بعد تقييمات أمنية دقيقة، وأكدت الوزارة أن إمدادات الغاز للاقتصاد المحلي ستزداد الآن بعد إعادة دمج المنصة في نظام الإنتاج.
كان الحقلان الرئيسيان – ليفياثان وكاريش – قد أُغلقا في 28 فبراير الماضي مع اندلاع الحملة العسكرية ضد إيران، خوفاً من تعرضهما لهجمات، وظل حقل “تامار” فقط يعمل خلال الفترة الماضية، مما دفع إسرائيل إلى الاعتماد بشكل كبير على الفحم والديزل لإنتاج الكهرباء، وهو أمر أدى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج بشكل ملحوظ.
أما حقل “كاريش” الذي تديره شركة إنيرجيان، فلا يزال مغلقاً حتى الآن بسبب موقعه القريب من الساحل اللبناني ومخاطر النشاط العسكري لحزب الله في المنطقة.
مصر والأردن.. السبب الخفي وراء إعادة التشغيل
يُعد الغاز الإسرائيلي مصدراً حيوياً لكل من مصر والأردن، ومع إغلاق مضيق هرمز جزئياً أو تعرضه للتهديد، توقفت إمدادات الغاز القطري، مما زاد الضغط على البلدين، شهدت مصر والأردن في الأسابيع الماضية انقطاعات كهرباء متكررة وبرامج تقشف طاقة لتوفير الاستهلاك.
وفقاً لمصادر مطلعة، لعبت الضغوط المصرية والأردنية دوراً مهماً في قرار إسرائيل بإعادة تشغيل ليفياثان، فمصر تعتمد بشكل كبير على الغاز الإسرائيلي لتشغيل محطات الكهرباء، خاصة في ظل نقص إنتاجها المحلي وارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، كما أن الأردن يعاني من وضع مشابه، ويُعتبر الغاز الإسرائيلي شريان حياة لشبكته الكهربائية.
بهذا المعنى، يمكن القول إن إسرائيل، رغم التوترات الإقليمية، اختارت أن تكون مورداً موثوقاً نسبياً لجيرانها، وهو ما يعكس حسابات استراتيجية واقتصادية مشتركة تتجاوز الصراعات السطحية.
التكلفة الاقتصادية للإغلاق
قدر كبير الاقتصاديين في شركة BDO، تشن هيرتزوغ، مستشار جمعية الغاز الطبيعي الإسرائيلية، أن إغلاق الحقول كلف الاقتصاد الإسرائيلي نحو 1.5 مليار شيكل (حوالي 400 مليون دولار) خلال الشهر الماضي فقط.
وتوزعت التكلفة بين ارتفاع تكاليف إنتاج الكهرباء باستخدام الفحم والديزل، وانخفاض إيرادات الغاز الطبيعي، وتراجع قيمة أصول شركات الغاز.
من هذا المبلغ، بلغت حصة حقل ليفياثان نحو مليار شيكل، بينما تحمل حقل كاريش النصف الآخر.
رحبت شركة إنيرجيان، المشغلة لحقل كاريش، بقرار إعادة تشغيل ليفياثان، معتبرة أنه يشير إلى تحسن تقييمات المخاطر الأمنية، وأكدت الشركة أنها على تواصل مستمر مع وزارة الطاقة والجهات الأمنية، وأعربت عن أملها في عودة كاريش للعمل “في أقرب وقت ممكن وبشكل آمن”، مشددة على أن الحقل يُعد مكوناً أساسياً لأمن الطاقة الإسرائيلي.
أهمية العلاقات المصرية الأردنية الإسرائيلية
يأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه المنطقة توترات أمنية عالية، لكنه يبرز أيضاً الترابط الاقتصادي بين دول المنطقة في مجال الطاقة، فمصر، التي تعاني من أزمة طاقة مزمنة، تجد في الغاز الإسرائيلي حلّاً مؤقتاً يساعدها على تجاوز فترة الضغط، خاصة مع صعوبة استيراد الغاز من مصادر أخرى بسبب الوضع في مضيق هرمز.
كما أن القرار يعكس حسابات إسرائيلية دقيقة أبرزها الحفاظ على علاقات اقتصادية مستقرة مع مصر والأردن الذي يُعتبر أولوية استراتيجية، حتى في أوقات التوتر العسكري.
