
مع كل أزمة كهرباء تضرب مصر، يعود السؤال نفسه بقوة إلى الواجهة: ما هي نسبة الغاز الإسرائيلي في إنتاج الكهرباء في مصر؟ وهل أصبحت الشبكة الكهربائية المصرية رهينة لإمدادات خارجية، أم أن الأمر لا يتجاوز تضخيمًا إعلاميًا لواقع أكثر تعقيدًا؟
الإجابة ليست بسيطة، لأن العلاقة بين مصر وإسرائيل في مجال الغاز لم تعد علاقة استيراد تقليدية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى شبكة متشابكة من الإنتاج المشترك، وإعادة التصدير، والاعتماد الجزئي المتبادل.
اتفاقيات الغاز بين مصر واسرائيل وإنتاج الكهرباء المحلي
بدأت علاقات الغاز مع مصر في عام 2008، وانتهت في عام 2012، مما دفع إسرائيل إلى تنويع وارداتها واستكشاف الإنتاج المحلي، وقد أدى هذا الأخير إلى قلب ميزان الطاقة الذي حول إسرائيل من كونها مشترياً، وأبدت الشركات المصرية اهتماماً بفتح أسواقها أمام الغاز الإسرائيلي.
وفي السنوات الأخيرة تم عقد اتفاقيات عديدة بين البلدين، أولا اتفاقية الغاز بين مصر وإسرائيل التي تم الإعلان عنها في عام 2018 تعرف باتفاقية “تمويل وتشغيل منشآت نقل الغاز وتوزيعه في مصر”، وهي تهدف إلى تنمية حقل غاز طبيعي مشترك بين مصر وإسرائيل يُعرف بحقل “لافيانت” (Leviathan) الذي يقع في البحر الأبيض المتوسط قبالة سواحل البلدين.
تنص الاتفاقية على أن شركة إسرائيلية تُدعى “ديليك دريلينغ” (Delek Drilling) وشركة “نوبل إنرجي” (Noble Energy) المملوكة لشركة الطاقة الأمريكية “شيفرون” (Chevron) ستقومان بتطوير حقل لافيانت واستخراج الغاز منه، بعد ذلك، ستتم تصدير الغاز الطبيعي إلى مصر عبر أنابيب نقل تمتد على طول الشواطئ الإسرائيلية والمصرية.
بموجب الاتفاقية، ستقوم شركة “إيجاس” (EGAS) المصرية بشراء حوالي 64 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المستخرج من حقل لافيانت على مدى فترة تصل إلى 10 سنوات، من المقرر أن يتم استخدام الغاز في تلبية احتياجات السوق المحلية في مصر، بما في ذلك استخدامه في توليد الكهرباء.
تُعتبر هذه الاتفاقية خطوة هامة في تعزيز التعاون الاقتصادي بين مصر وإسرائيل، وتعكس أيضًا أهمية البحث عن مصادر جديدة للطاقة في المنطقة، قبل هذه الاتفاقية، كان هناك اتفاقية أخرى تم توقيعها في عام 2016 تتعلق بتصدير الغاز من حقل تمار في إسرائيل إلى مصر.
ولا ننسى أيضا اتفاقية تصدير الغاز من حقل كاريش (2020) التي تم توقيعها وتتضمن تصدير الغاز من حقل كاريش في البحر الأبيض المتوسط إلى مصر، تم استخدام هذا الغاز أيضًا في توليد الكهرباء وتلبية احتياجات السوق المحلية.
اتفاقية الغاز التاريخية بين مصر وإسرائيل
في 7 أغسطس/آب 2025، أُعلن عن واحدة من أكبر صفقات الطاقة في شرق المتوسط، حين وقّع شركاء حقل ليفياثان الإسرائيلي اتفاقًا ضخمًا لتوريد الغاز إلى مصر بقيمة تصل إلى 35 مليار دولار، وتنص الإتفاقية على تصدير نحو 130 مليار متر مكعب من الغاز إلى السوق المصرية حتى عام 2040، أو إلى حين استكمال الكميات المتفق عليها، ما يجعلها أكبر اتفاق تصدير غاز في تاريخ إسرائيل حتى الآن.
ولا تكمن أهمية هذا العقد في حجمه المالي فقط، بل في مدته الطويلة أيضًا. فنحن لا نتحدث عن صفقة إسعافية أو تفاهم مؤقت لتجاوز أزمة عابرة، بل عن ترتيبات تمتد فعليًا على مدى خمسة عشر عامًا تقريبًا من تاريخ الإعلان، وتؤسس لاعتماد مصري متزايد على الغاز الإسرائيلي في مرحلة تتراجع فيها قدرة القاهرة على تغطية الطلب المحلي من إنتاجها وحده.
وذكرت رويترز أن الاتفاق الجديد يبني على عقد سابق أُبرم في 2019 لتوريد 60 مليار متر مكعب، وقد تم بالفعل تسليم 23.5 مليار متر مكعب منه منذ 2020، ما يعني أن الصفقة الجديدة ليست بداية العلاقة، بل توسعة كبرى لها.
وبحسب تفاصيل الاتفاق، فإن التوريد سيتم على مرحلتين: المرحلة الأولى تشمل نحو 20 مليار متر مكعب تبدأ من عام 2026 عبر تعزيز الربط القائم بين البلدين، ثم تأتي المرحلة الثانية والأكبر بكمية تبلغ 110 مليارات متر مكعب بعد تنفيذ توسعة في حقل ليفياثان وإنشاء بنية نقل إضافية، من بينها خط جديد عبر نيتسانا، بما يرفع قدرة إسرائيل على ضخ الغاز إلى مصر بكميات أكبر وأكثر استقرارًا
نسبة الغاز الإسرائيلي في انتاج الكهرباء المصري
تعتمد مصر بشكل شبه كامل على الغاز الطبيعي لتوليد الكهرباء، حيث يشكل الغاز ما يزيد عن 75% من مزيج الطاقة المستخدم في تشغيل محطات التوليد.
ويشكل الغاز الإسرائيلي نسبة مهمة من إنتاج الكهرباء في مصر، وتتراوح هذه النسبة ما بين 20٪ إلى 40٪ من إجمالي إنتاج الكهرباء في البلاد.
تركز مصر على تطوير حقول الغاز الطبيعي الوطنية وتعزيز الطاقة المتجددة واستيراد الغاز من قطر، وذلك لتنويع مصادر الطاقة بالنسبة لها.
ويحتاج البلدين لبعضهما البعض في مواجهة التحديات الطاقية التي تعصف بالعالم في ظل الحرب الروسية الأوكرانية التي غيرت الخريطة العالمية الطاقية.
صادرات مصر من الغاز الطبيعي
أظهرت البيانات أن صادرات مصر من الغاز الطبيعي المسال بلغت حتى الآن هذا العام 3.38 مليون طن فقط، مقارنة بـ 7.1 مليون طن لعام 2022 بأكمله.
تمتلك مصر منشأتين لتصدير الغاز الطبيعي المسال، منشأة إدكو التي تديرها شركة شل والتي تبلغ طاقتها 7.2 مليون طن سنويًا، ومصنع دمياط الأصغر حجمًا الذي تديره شركة إيني والذي تبلغ طاقته 5 ملايين طن سنويًا.
وفي عام 2015، أطلقت مصر برنامجًا لتنمية حقول الغاز الطبيعي وزيادة إنتاجها، وذلك بهدف تلبية الاحتياجات المحلية وزيادة الصادرات، منذ ذلك الحين، شهدت مصر طفرة في قدرتها على الإنتاج والتصدير، ورغم أنها وصلت للإكتفاء الذاتي إلى أن قدرتها على التصدير تراجعت لاحقا.
فبعد أن بلغت صادرات الغاز الطبيعي المسال نحو 7.1 مليون طن في 2022، انخفضت إلى ما يقارب 3 إلى 3.5 مليون طن في السنوات التالية، نتيجة تزايد الاستهلاك المحلي ونقص الإمدادات المتاحة للتسييل.
مشكلة الكهرباء في مصر
في عام 2022، استهلكت مصر 60.7 مليار متر مكعب من الغاز، أي ما يعادل 37.3% من إجمالي استهلاك أفريقيا من الغاز، مما يجعلها أكبر سوق للغاز في القارة، وهذا أيضا يعادل معظم انتاجها المحلي يتم استهلاكها ولا يتبقى لها الكثير لتصديره على عكس إسرائيل التي لا تتمتع بضخامة في عدد السكان.
ويهدد الإنفجار السكاني في مصر حصة الفرد من حصة المياه وكذلك الأمن الغذائي في هذا البلد إضافة إلى حصة الفرد من الكهرباء والحصول على الضروريات الأخرى، ليس لقلة الإنتاج بل لأن الطلب المحلي قوي وفي تزايد مستمر ويتجاوز الإنتاج الذي يعد كبيرا.
ومع ارتفاع درجات الحرارة في مصر تعاني السلطات المصرية مع توفير الطاقة وبالتالي تعمل على قطع الكهرباء بالتناوب من منطقة إلى أخرى وفي مدن أخرى وأيضا تشجيع العمل عن بعد لتفادي الضغط في مكاتب العمل التي تتوفر عادة على مكيفات.
مع توقف واردات الغاز الإسرائيلي إلى مصر تعاني الدولة الواقعة في شمال افريقيا أكثر من أزمة الكهرباء التي يمكن أن تستمر لأسابيع إضافية.
