
تشير دراسات حديثة إلى أن الصورة التقليدية التي رسمتها الفنون الدينية عبر العصور عن المسيح يسوع، والتي غالبًا ما تُظهره كرجل أبيض ذي شعر طويل وملامح أوروبية، قد تكون بعيدة كل البعد عن الحقيقة التاريخية.
فقد كشف باحثون متخصصون في الدراسات الدينية والتاريخية عن تفاصيل جديدة حول الشكل الذي كان يُحتمل أن يكون عليه يسوع المسيح، استنادًا إلى سياقه الاجتماعي والجغرافي والتاريخي، مما يقدم صورة أكثر واقعية تتماشى مع بيئته في اسرائيل القرن الأول الميلادي.
يسوع: رجل قوي النحافة بعضلات مشدودة
وفقًا للدكتورة ميريديث وارن، المحاضرة البارزة في الدراسات الكتابية والدينية بجامعة شيفيلد، فإن يسوع المسيح كان على الأرجح رجلاً قوي البنية ونحيفًا، بفضل طبيعة عمله كنجار.
ففي ذلك العصر، كان النجارون يعتمدون على قوتهم البدنية بشكل كبير، حيث كانت مهنتهم تتطلب جهدًا عضليًا مكثفًا في قطع الخشب وتشكيله.
تقول الدكتورة وارن: “يسوع نشأ في عائلة كان العمل اليدوي هو القاعدة فيها، ومن المؤكد أنه كان يمارس الرياضة بشكل طبيعي من خلال المشي لمسافات طويلة”.
إن حياة يسوع التي كانت مليئة بالتنقل بين القرى والمدن الفلسطينية، غالبًا سيراً على الأقدام، ساهمت في بنيته الجسدية القوية والمشدودة.
ومع ذلك، تشير الدكتورة وارن إلى أن الصور التي تُظهر يسوع بعضلات مفتولة بشكل مبالغ فيه قد لا تكون دقيقة تمامًا، لكن فكرة امتلاكه لبنية جسدية قوية ومتناسقة ليست بعيدة عن الواقع.
بشرة سمراء وعيون بنية: ملامح ابن المنطقة
على عكس الصور الفنية التي تُظهر يسوع ببشرة بيضاء وشعر طويل، تؤكد الدراسات أن مظهر يسوع كان يتماشى مع ملامح سكان المنطقة الجغرافية التي عاش فيها.
في القرن الأول الميلادي، كان سكان اسرائيل يتميزون ببشرة سمراء أو زيتونية وعيون بنية، وهو ما ينطبق على يسوع. تذكر الدكتورة وارن: “كان يسوع ذا بشرة سمراء وعيون بنية، مثل معظم سكان المنطقة المحليين”.
دليل آخر على أن مظهر يسوع لم يكن مميزًا بشكل خاص يأتي من رواية القبض عليه في بستان جثسيماني.
فوفقًا للروايات الكتابية، احتاج الجنود الرومان إلى يهوذا الإسخريوطي لتحديد هوية يسوع من بين حشد من الرجال اليهود، مما يشير إلى أن مظهره لم يكن يحمل أي علامات مميزة تجعله بارزًا عن الآخرين.
حياة متواضعة وجسم متأثر بالعمل الشاق
لم يكن يسوع ينتمي إلى طبقة غنية، بل كان يعيش حياة بسيطة تعتمد على كرم الآخرين والضيافة.
كان هو وتلاميذه يتشاركون الطعام، وغالبًا ما كان نظامهم الغذائي محدودًا. هذا العامل، إلى جانب التنقل المستمر سيراً على الأقدام، يجعل من غير المرجح أن يكون يسوع قد امتلك عضلات مفتولة بشكل مبالغ فيه، كما تصورها بعض الأعمال الفنية.
بدلاً من ذلك، يُرجح أن يكون جسمه نحيفًا ولكنه قوي، مع يدين وقدمين خشنتين نتيجة العمل اليدوي الشاق.
تضيف البروفيسورة جوان تايلور، المؤرخة المتخصصة في الكتاب المقدس والمسيحية المبكرة: “يسوع لم يكن شخصًا كسولًا يقضي وقته جالسًا، بل كان يعمل نجارًا ويتجول كثيرًا خلال مهمته، لذلك، أراه شخصًا نحيفًا ومشدود العضلات أكثر من كونه ضخم البنية”.
الصور الفنية: من الراعي إلى الخالق القدير
على مر العصور، تغيرت الصور الفنية ليسوع بشكل كبير.
في البداية، كانت الأعمال الفنية تصور يسوع كراعٍ متواضع، يعكس دوره كمرشد روحي، لكن مع تطور العقيدة المسيحية وظهور فكرة المسيح كخالق كلي القدرة، بدأت الأعمال الفنية في تصويره بمظهر يشبه آلهة الأساطير اليونانية والرومانية مثل زيوس أو جوبيتر، مع لحية وشعر طويل وبنية جسدية قوية.
هذه الصور، وإن كانت رمزية، إلا أنها أثرت بشكل كبير على التصورات الحديثة عن يسوع.
تشير الدكتورة وارن إلى أن أفضل التمثيلات المحتملة لشكل يسوع قد تكون مستوحاة من صور المومياوات المصرية القديمة التي تعود إلى الفترة ما بين 80-120 ميلادية.
هذه الصور، التي كانت تُرسم للرجال المتوفين في منطقة قريبة من فلسطين، تعكس ملامح الرجال في تلك الفترة، مع بشرة سمراء وملامح بسيطة تعكس حياة العمل والتواضع.
يسوع أسطورة مثل نوح وابراهيم وآخرين
من منظور تاريخي وديني، يثير شخص يسوع المسيح نقاشات حول ما إذا كان شخصية تاريخية حقيقية أم أسطورة تضاهي شخصيات أخرى في الروايات الدينية مثل نوح وإبراهيم.
ففي حين تؤكد النصوص المسيحية والإسلامية وحتى كتب يهودية على وجود يسوع كشخصية تاريخية عاشت في القرن الأول، يرى بعض الباحثين أن قصص يسوع قد تكون قد تم تهيئتها أو تضخيمها على مر الزمن لتأخذ طابعًا أسطوريًا،
هذا مشابه لما حدث مع شخصيات مثل نوح، الذي ارتبط بقصة الطوفان العظيم، أو إبراهيم، الذي يُعتبر أبًا للأمم في التقاليد اليهودية والمسيحية والإسلامية، حيث لا يوجد أي دليل مادي على وجودهم.
