الحرب الروسية الأوكرانية

في تطورٍ قد يُثير دهشة أي خبير اقتصادي، أصبحت الأسلحة العسكرية الأوروبية القديمة التي يُفترض التخلص من جزء كبير منها بتكلفة باهظة الكابوس الأكثر تكلفةً لروسيا.

ما بدأ كدول غربية تُخلّص من مخزونات الأسلحة القديمة لتجنب تكاليف التفكيك، تطوّر إلى سلاح اقتصادي أشدّ تدميرًا من أي نظام صاروخي.

تروي الأرقام قصةً مُقلقة لا يُريد الكرملين أن يسمعها الروس ولن يخبرك بها الإعلام الذي يضخم من قوة روسيا ويصورها كأنها بعبع سيلتهم أوروبا بأكملها.

بورصة الأسلحة القديمة

منذ فبراير 2022، قدّمت الدول الأوروبية أكثر من 65 مليار دولار كمساعدات عسكرية لأوكرانيا، مع مليارات أخرى من المخزونات التي كانت ستتطلّب التخلص منها بتكلفة باهظة.

حشد الاتحاد الأوروبي وحده 11.1 مليار يورو من خلال مرفق السلام الأوروبي التابع له، وكان معظم هذا المبلغ يُسدّد للدول الأعضاء ثمن الذخائر والمعدات التي تبرعت بها من المخزونات الحالية.

لقد جاء هذا الدعم بتكلفة بشرية فادحة، إذ لا يزال الجنود والمدنيون الأوكرانيون يفقدون أرواحهم دفاعًا عن وطنهم ضد العدوان الروسي، ومع ذلك، فإن شجاعتهم، إلى جانب المساعدات العسكرية الأوروبية، قد خلقت عواقب اقتصادية غير متوقعة.

بالنسبة لدافعي الضرائب الأوروبيين، مثّلت التبرعات بالأسلحة مكسبًا ماليًا للجميع: دعم أوكرانيا مع تجنب التكاليف الباهظة للتخلص السليم من المعدات العسكرية القديمة.

التخلص من الأسلحة ليس رخيصًا، فهو يتطلب مرافق متخصصة، وضمانات بيئية، وسنوات من التفكيك الدقيق، ويُقدم تفكيك المنشآت النووية سياقًا لذلك: إذ يمكن أن تتراوح تكلفة تفكيك كل منشأة على حدة بأمان بين 500 مليون دولار و2 مليار دولار.

مقبرة الـ 104 مليارات دولار

وفقًا لحسابات مبنية على بيانات وزارة الدفاع الأوكرانية وتحليلات فوربس أوكرانيا، خسرت روسيا ما يقارب 104 مليارات دولار من المعدات العسكرية منذ بدء الغزو وتفصيل الخسائر مذهل:

  • الدبابات: خسائر 17.26 مليار دولار
  • أنظمة المدفعية: 25.62 مليار دولار
  • مركبات قتالية مدرعة: 13.84 مليار دولار
  • طائرات: 7.93 مليار دولار
  • أنظمة مضادة للطائرات: 8.48 مليار دولار

ولتوضيح ذلك، بلغت ميزانية الدفاع الروسية لعام 2024 بالضبط 117 مليار دولار، وتمثل خسائر المعدات وحدها ما يقرب من نصف إنفاقها العسكري السنوي.

في نوفمبر 2024 – أي شهر واحد فقط – خسرت روسيا معدات تزيد قيمتها عن 3 مليارات دولار، بما في ذلك 307 دبابات، و899 مركبة قتالية مدرعة، و884 قطعة مدفعية، وبهذا المعدل، تستهلك روسيا ما يعادل ميزانية دفاع دولة متوسطة الحجم بالكامل كل بضعة أشهر.

أزمة الإنتاج التي تعاني منها روسيا

هنا تُصبح تبرعات الأسلحة الأوروبية خنقًا اقتصاديًا لروسيا، فبينما تخلصت الدول الأوروبية من مخزوناتها بكفاءة، تُعاني صناعة الدفاع الروسية من عجزٍ مُستمر في محاولة تعويض الخسائر.

تكشف تقييمات المحللين العسكريين أن صناعة الدفاع الروسية لا تستطيع إنتاج أو تحديث سوى حوالي 250-300 دبابة سنويًا، ومع ذلك، في عام 2024 وحده، دمرت أوكرانيا ما يقرب من 3600 دبابة روسية.

وهذا يُمثل عجزًا في الإنتاج يزيد عن 1000%، مما يعني أن روسيا تفقد الدبابات أسرع بعشر مرات من قدرتها على استبدالها.

أصبح الوضع مُزريًا لدرجة أن روسيا لجأت إلى سحب الدبابات التي يبلغ عمرها 60 عامًا من مستودعات التخزين، والعديد منها في حالة سيئة بعد عقود من التعرض للعوامل الجوية.

تُظهر صور الأقمار الصناعية أن روسيا استنفدت الآن أسهل المركبات القابلة للترميم من منشآت التخزين الخاصة بها.

لهذا السبب لجأت روسيا إلى شراء الأسلحة من كوريا الشمالية إضافة إلى ايران ودول أخرى مثل فنزويلا، وتخلت عن سوريا الأسد لعجزها في الحرب الأوكرانية وارتفاع تكلفة الحفاظ على الأراضي التي استولت عليها.

تأثير الدومينو على الإقتصاد الروسي

يمتد هذا النزيف في المعدات عبر الاقتصاد الروسي الأوسع بطرق تؤثر مباشرةً على المواطنين الروس العاديين:

الضغط الصناعي: تعمل المصانع الروسية على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع في محاولة لتعويض الخسائر، لكنها تخوض معركة خاسرة.

فالموارد التي كان من الممكن توجيهها نحو الإنتاج المدني أو البنية التحتية أو تحسين مستويات المعيشة، تُصبّ بدلاً من ذلك في حفرة سوداء لاستبدال المعدات.

الاستنزاف المالي: قدّرت مؤسسة راند أنه بحلول سبتمبر 2022، وصلت التكاليف العسكرية المباشرة لروسيا إلى 40 مليار دولار، مع خسائر في الناتج المحلي الإجمالي تتراوح بين 81 و104 مليارات دولار لعام 2022 وحده، وقد تسارعت هذه التكاليف.

التراجع التكنولوجي: تعتمد روسيا بشكل متزايد على معدات قديمة وأقل فعالية، حيث تُدمّر الأنظمة الحديثة بسرعة أكبر من إمكانية استبدالها.

لا يؤثر هذا التدهور التكنولوجي على القدرات العسكرية فحسب، بل يؤثر أيضًا على صناعة تصدير الدفاع الروسية، التي فقدت 93% من أسواقها العالمية.

ماذا يعني هذا للروس العاديين؟

الحسابات الاقتصادية قاسية وتزداد سوءًا، كل نظام سلاح أوروبي يُدمر المعدات الروسية يُنتج تكلفةً هائلة:

تكاليف استبدال فورية: غالبًا ما تكون أعلى من المعدات الأصلية بمرتين إلى خمس مرات بسبب علاوات الإنتاج في زمن الحرب.

تكاليف الفرصة البديلة: تحويل الموارد من البنية التحتية المدنية والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية.

خسارة طويلة الأجل في القدرات الصناعية: فقدان العمالة الماهرة والقدرة التصنيعية بسبب جهد عسكري غير مستدام.

أصبحت التكلفة البشرية جلية في المجتمع الروسي: ربما ارتفعت الدخول الحقيقية مؤقتًا بسبب الإنفاق في زمن الحرب، لكن هذا اقتصاد غير مستدام إنه اقتراض من مستقبل روسيا لتغطية هوس بوتين الحالي.

حسابات الهزيمة في أوكرانيا

الحقيقة الحسابية لا مفر منها، لقد وظّفت الدول الأوروبية تكاليف التخلص من الأسلحة بفعالية ضد الاقتصاد الروسي.

ما كان سيكلف أوروبا مليارات الدولارات في تفكيك الأسلحة، كلّف روسيا مئات المليارات من خسائر المعدات وتكاليف الاستبدال.

حتى لو كثّفت روسيا الإنتاج بطريقة ما، فإنّ الاقتصاد لن ينجح، تتطلب المعدات العسكرية الحديثة سلاسل توريد متطورة، ومواد نادرة، وعمالًا ماهرين، روسيا تستنزف هذه الموارد بسرعة تفوق قدرة أي اقتصاد على تعويضها بشكل مستدام.

المسار واضح: استمرار القتال يعني استمرار خسائر فادحة في المعدات، وهو ما لا تستطيع القاعدة الصناعية الروسية تحمّله، مع كل شهر تستمر فيه الحرب، تتخلف روسيا أكثر فأكثر عن منحنى الاستبدال.