
لم تحتج مصر إلى إرسال جندي واحد إلى السعودية حتى تثير غضب الحوثيين. فمجرد موافقة مجلس النواب المصري، في 26 أكتوبر 2026، على منح الرئيس عبد الفتاح السيسي صلاحية اتخاذ «الإجراءات اللازمة» لمساعدة المملكة دفاعيًا إذا طلبت الرياض ذلك، كان كافيًا لكي يصف القيادي الحوثي محمد علي الحوثي الخطوة بأنها «إعلان حرب» على اليمن، ويتهم القاهرة بتقديم خدمة كبيرة لإسرائيل.
وحتى الآن، لم تعلن السعودية رسميًا طلب إرسال قوات مصرية، كما شدد السيسي على أن أي دور مصري محتمل سيبقى دفاعيًا ويقتصر على حماية الأراضي والحدود والمقدسات السعودية، من دون مهاجمة اليمن.
من تفويض دفاعي إلى إعلان الحرب
أجاز البرلمان المصري للسيسي اتخاذ الإجراءات الضرورية لدعم السعودية إذا تقدمت الرياض بطلب رسمي، بعدما تصاعدت خلال أكتوبر الهجمات الحوثية على المطارات والمنشآت النفطية السعودية.
ويتطلب الدستور المصري رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة ثلثي مجلس النواب قبل إرسال القوات في مهمة قتالية خارج البلاد، وقد أصبح هذا المسار القانوني متاحًا بعد التصويت، بينما تظل الخطوة التنفيذية مرتبطة بطلب سعودي وتنسيق بين البلدين.
لكن الحوثيين لم ينتظروا تنفيذ شيء على الأرض. فقد قال محمد علي الحوثي إن مصر وبرلمانها «يعلنان الحرب على الجمهورية اليمنية»، وأضاف أن القاهرة تقدم بذلك «خدمة هائلة لإسرائيل»، محذرًا من أن مصر تُجر إلى اليمن كما جرى في ستينيات القرن الماضي، بل ذهب إلى القول إن إسرائيل تنتظر الفرصة للانقضاض على سيناء.
وتعيد هذه اللغة استحضار تجربة التدخل المصري في حرب اليمن خلال عهد جمال عبد الناصر، وهي تجربة بقيت في الذاكرة السياسية المصرية باعتبارها حرب استنزاف مكلفة سبقت هزيمة 1967. إلا أن المقارنة تتجاهل اختلاف المهمة المعلنة حاليًا؛ فالسيسي تحدث صراحة عن دفاع عن الأراضي السعودية وليس عن حملة عسكرية داخل اليمن، وهو فارق جوهري بين نشر أنظمة دفاع جوي أو قوات حماية وبين الدخول في حرب برية طويلة.
لماذا يقلق الحوثيون من دور دفاعي فقط؟
قد يبدو غريبًا للوهلة الأولى أن تخشى الجماعة من بطاريات دفاع جوي مصرية أكثر من قوة هجومية، لكن الدفاع الفعال يغير المعادلة العسكرية أيضًا. فإذا ساعدت مصر في حماية المطارات والمدن أو المنشآت النفطية السعودية، فإنها تخفض احتمال نجاح كل موجة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، وفي الوقت نفسه تسمح للسعودية باستخدام جزء أكبر من قدراتها العسكرية في مهام أخرى بدل إبقائها موزعة على حماية مساحة شاسعة من المملكة.
هذا تحديدًا ما يجعل أنظمة الدفاع الجوي عنصرًا استراتيجيًا، لا مجرد مظلة سلبية. كل موقع سعودي يصبح أكثر تحصينًا يعني أن كلفة الهجوم الحوثي ترتفع وأن قدرة الجماعة على تحويل كل رشقة صاروخية إلى أزمة اقتصادية أو سياسية تتراجع، خصوصًا بعدما أثبتت الأسابيع الأخيرة أن الهجمات يمكن أن تؤثر في حركة الطيران وأسواق النفط والبنية التحتية الحيوية.
وقد اعترضت السعودية في 27 أكتوبر ثلاثة صواريخ باليستية وأربع طائرات مسيّرة أطلقها الحوثيون نحو مناطق مختلفة من المملكة، في مؤشر على استمرار وتيرة التصعيد.
صواريخ تصل إلى محيط مكة
هناك عامل رمزي لا يقل أهمية عن الجانب العسكري. ففي 24 أكتوبر سقط حطام صاروخين باليستيين اعترضتهما الدفاعات السعودية في عدة مواقع غرب المملكة، بينها وادي المغمس في مكة، إضافة إلى جدة والطائف ورابغ. ولم تعلن السلطات وقوع إصابات في تلك الحادثة، لكنها أظهرت مرة أخرى أن مناطق قريبة من أقدس المواقع الإسلامية أصبحت داخل نطاق الخطر الناتج عن مسار الصواريخ واعتراضها.
الحوثيون ينفون أنهم يستهدفون الأماكن المقدسة ويقولون إن أهدافهم عسكرية واقتصادية، لكن ذلك لا يغير المعضلة السياسية بالنسبة إلى الرياض أو القاهرة؛ فعندما تتحرك صواريخ باليستية في اتجاه مناطق مكة والمدينة، يصبح اعتراضها قضية أمنية ودينية شديدة الحساسية، ويصبح من الصعب تصوير مساعدة دولة عربية في منع وصولها باعتبارها عدوانًا على اليمن.
مصر كسابقة قد تحرك الآخرين
السبب الثاني لقلق الحوثيين قد لا يكون عسكريًا خالصًا، بل سياسيًا. فمصر ليست عضوًا في اتفاق الدفاع المشترك الذي وقعته السعودية مع تركيا وباكستان، ومع ذلك تحرك برلمانها لمنح الرئيس تفويضًا بالمساعدة.
وإذا تحولت هذه الموافقة إلى انتشار فعلي، فإنها تخلق سابقة تجعل تحرك دول أخرى أسهل، لأن القاهرة تكون قد تحملت كلفة أن تكون أول دولة عربية كبيرة تنتقل من بيانات التضامن إلى استعداد قانوني وعسكري واضح.
المادة التي استند إليها هذا المقال ترى أن أحد أسباب القلق الحوثي هو ما يمكن تسميته تأثير الدومينو: دخول مصر قد يشجع شركاء آخرين على تقديم مساهمات أكثر وضوحًا، وهو تفسير تحليلي وليس معلومة معلنة من الحوثيين أنفسهم.
ويكتسب هذا التحليل بعض القوة من الفارق بين الموقف المصري وما فعلته تركيا وباكستان خلال الأيام نفسها. فبينما أجاز البرلمان المصري الدفاع عن السعودية، كانت قيادات سعودية وتركية وباكستانية تتحاور في طهران مع إيران في محاولة لخفض التصعيد والضغط نحو وقف الهجمات، في مسار دبلوماسي لم يؤد حتى الآن إلى تهدئة حاسمة.
الحوثيون يعرفون حجم الجيش المصري
لا تحتاج القاهرة إلى إرسال تشكيلات ضخمة حتى يكون وجودها ذا أثر سياسي. فمصر تمتلك واحدًا من أكبر الجيوش في الشرق الأوسط وقوات جوية ودفاعًا جويًا واسعًا، ولذلك فإن مجرد الإعلان عن مشاركة مصرية يمكن أن يغير حسابات الردع، حتى إذا كان الانتشار محدودًا إلى وحدات دفاع جوي أو دعم لوجستي واستخباراتي.
وهنا ينبغي تجنب المبالغة أيضًا؛ فوجود القوات المصرية لن يعني أن حرب اليمن حُسمت، وقد أظهرت تجارب سابقة أن القصف الجوي وحده لم يكن كافيًا للقضاء على القدرات الحوثية.
ولفت تحليل لرويترز قبل التصويت المصري إلى أن السعودية والولايات المتحدة خاضتا سابقًا حملات جوية كبيرة من دون إنهاء الجماعة عسكريًا، وهو ما يجعل أي دور مصري أكثر واقعية إذا بقي في حدود الدفاع لا محاولة «حل» الحرب بالقوة.
مصر تضررت بسبب الحوثيين في قناة السويس
التوتر بين القاهرة والحوثيين لا يبدأ من السعودية. فمنذ الهجمات على الملاحة في البحر الأحمر، تكبد الاقتصاد المصري خسائر مباشرة نتيجة تحول السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح وتراجع المرور عبر قناة السويس، وهي واحدة من أهم مصادر العملة الأجنبية للبلاد.
في السنة المالية 2024-2025 وحدها، قال وزير المالية المصري إن اضطرابات البحر الأحمر كلفت البلاد نحو 145 مليار جنيه، أي قرابة 3 مليارات دولار من إيرادات القناة، بعدما تراجعت الإيرادات بصورة حادة. كما هبط عدد السفن العابرة ومسار الإيرادات منذ بدء الهجمات الحوثية على الملاحة في أواخر 2023.
وبحلول 2025، كانت حركة السفن عبر القناة أقل بنحو 52% مقارنة بعام 2023 وفق بيانات هيئة قناة السويس التي نقلتها رويترز، وهو ما يوضح أن القاهرة تحمل بالفعل تكلفة اقتصادية باهظة من الاضطرابات في البحر الأحمر حتى قبل التفكير في إرسال أي دعم للسعودية.
لذلك فإن تصوير مصر باعتبارها تدخل أزمة لا تعنيها يتجاهل حقيقة أن أمن البحر الأحمر وباب المندب مرتبط مباشرة بإيراداتها وميزان مدفوعاتها.
التحذيرات بدأت قبل تصويت البرلمان
الموقف الحوثي المتشدد لم يبدأ بعد موافقة البرلمان، بل سبقها. وتشير المادة المرفقة إلى أن رئيس البرلمان الخاضع للحوثيين في صنعاء، يحيى الراعي، حذر نظيره المصري من أن الانخراط إلى جانب السعودية سيشكل «خطرًا جسيمًا» على الأمن القومي المصري، وربطه أيضًا بالوقوف في «الخندق نفسه» مع إسرائيل.
كما أكدت رويترز قبل التصويت أن الحوثيين حذروا بالفعل من أن أي تدخل مصري قد يهدد الأمن الداخلي والاستقرار المصري.
وعندما تتحول رسالة سياسية مشروطة بالدفاع عن السعودية إلى تحذير من عواقب داخل مصر، تصبح اللغة أقرب إلى الردع والتهديد منها إلى مجرد رفض دبلوماسي، وهو ما يفسر بدوره اهتمام الرأي العام المصري بالسؤال عما إذا كانت الجماعة مستعدة لتوسيع نطاق المواجهة إلى الأراضي المصرية.
ماذا عن هجوم دمياط؟
هناك واقعة تجعل هذا السؤال أكثر حساسية، لكنها تحتاج إلى دقة كبيرة في عرضها. ففي 29 يوليو 2026 أصابت طائرة مسيّرة سفينة غاز طبيعي مسال أمريكية في ميناء دمياط المصري وتسبب الهجوم في حريق امتد إلى سفينة ثانية.
وأكدت الحكومة المصرية لاحقًا أن التحقيقات الأولية أثبتت أن الحادث ناجم عن طائرة مسيّرة، ليصبح أول هجوم من هذا النوع على الأراضي المصرية خلال الحرب الإقليمية الحالية. لكن لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم، والحوثيون نفوا علاقتهم به. أما المصدر المرفق فيذهب في تحليله إلى ترجيح مسؤولية الحوثيين واستخدام مسار إطلاق من العراق، إلا أن هذا تقييم للمصدر وليس نتيجة تحقيق رسمية، ولذلك لا يمكن عرضه باعتباره حقيقة مثبتة.
لماذا يستحضر الحوثيون إسرائيل وسيناء؟
استخدام إسرائيل في الخطاب الحوثي ليس تفصيلًا جانبيًا، بل جزء من محاولة نزع الشرعية عن الموقف المصري أمام جمهوره الداخلي والعربي. فبدل مناقشة السؤال المباشر حول حق السعودية في حماية مطاراتها ومنشآتها، تنتقل الرواية إلى أن مصر تنفذ أجندة إسرائيلية وأن دخولها الحرب سيترك سيناء مكشوفة.
هذه الرسالة تخاطب ذاكرة المصريين التاريخية مرتين: مرة باستدعاء حرب اليمن في الستينيات، ومرة باستدعاء الخوف من إسرائيل وسيناء. وبذلك يصبح الهدف السياسي واضحًا، وهو رفع التكلفة النفسية لأي تدخل مصري قبل أن يبدأ، بحيث يتحول النق
