اقتصاد المغرب السوق

لم يعد الجدل حول نظام الطيبات مجرد نقاش غذائي عابر على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما تحولت دعوات شيطنة الدجاج والبيض إلى موجة خطيرة قد تضرب واحدة من أهم سلاسل الأمن الغذائي في المغرب.

فالدجاج والبيض ليسا مجرد طبق رخيص على مائدة الأسر، بل قطاع اقتصادي كامل يبدأ من استيراد الذرة والصويا، ويمر بمصانع الأعلاف والمحاضن والمزارع والأطباء البيطريين والنقل والمجازر والأسواق والمطاعم، وينتهي عند المستهلك.

خلف كل بيضة يهاجمها أنصار هذا النظام، وخلف كل دجاجة يصفونها بـ”الخبيثة”، توجد شبكة ضخمة من العمال والمربين والسائقين والتجار والموزعين وأصحاب المحلات والمطاعم. ولذلك فإن أي حملة شعبية واسعة ضد الدجاج والبيض لا تهدد عادة غذائية فقط، بل تهدد قطاعًا يوفر، وفق الأرقام المتاحة، ما بين 500 ألف و515 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر في المغرب.

نصف مليون وظيفة في خطر

الأرقام تكشف حجم الخطر. فبحسب معطيات حديثة نشرتها هسبريس في أبريل 2026، استقبل قطاع الدواجن المغربي استثمارات بلغت 15.3 مليار درهم، وحقق رقم معاملات يصل إلى 48 مليار درهم، ويوفر 181 ألف منصب شغل مباشر.

كما تشير المعطيات نفسها إلى أن استهلاك الفرد من لحوم الدواجن بلغ 23.6 كيلوغرامًا في 2025، مقابل 191 بيضة للفرد سنويًا، مع إنتاج وطني يقارب 7.06 مليارات بيضة.

هذه الأرقام وحدها كافية لفهم أن الدجاج والبيض ليسا تفصيلًا غذائيًا، إنه قطاع بمليارات الدراهم، ورافعة للتشغيل، ومصدر البروتين الأرخص للأسر المغربية، وواحد من أعمدة الأمن الغذائي الوطني.

وتدعم هذه الصورة أرقام سابقة لوزارة الفلاحة المغربية، إذ سجل وزير الفلاحة أحمد البواري أن سلسلة الدواجن تحقق رقم معاملات سنويًا يقارب 41.7 مليار درهم، وتوفر حوالي 150 ألف منصب شغل مباشر و350 ألف منصب غير مباشر، أي نحو 500 ألف وظيفة في المجموع.

وفي نسخة أخرى مرتبطة بمعرض “دواجن 2025”، تحدثت مصادر مغربية عن قطاع يحقق أكثر من 45 مليار درهم سنويًا، ويوفر قرابة 156 ألف منصب مباشر و359 ألف منصب غير مباشر، أي حوالي 515 ألف منصب شغل.

مقاطعة الدجاج والبيض في المغرب

أنصار المقاطعة يتحدثون عن “دجاج” و”بيض” كما لو أن الأمر يتعلق بسلعتين معزولتين في متجر، لكن الاقتصاد لا يعمل بهذه السذاجة، فالبيضة التي تصل إلى المستهلك تقف خلفها سلسلة طويلة من الأنشطة.

هناك مستوردو الذرة والصويا ومكونات الأعلاف وهناك مصانع الأعلاف التي تزود المزارع وهناك المحاضن التي تنتج الكتاكيت وهناك مزارع التسمين ومزارع البياض وهناك الأطباء البيطريون وموزعو الأدوية واللقاحات.

ثم هناك شاحنات النقل البارد والعادي، وهناك المجازر ومحلات بيع الدجاج والأسواق الأسبوعية، وهناك المطاعم الشعبية ومحلات الوجبات السريعة، وهناك آلاف الأسر التي تعيش من هذه الحلقة أو تلك داخل القطاع.

لذلك، حين ينجح خطاب مضلل في إقناع الناس بأن الدجاج والبيض “سموم” أو “خبائث”، فإن الضربة لا تتوقف عند المربي الكبير.

أول من يدفع الثمن غالبًا هو العامل الصغير، وسائق الشاحنة، وبائع الدجاج في الحي، وصاحب المقهى أو المطعم، والعاملات في وحدات الفرز والتغليف، وصغار المربين الذين لا يملكون هامشًا ماليًا لتحمل انهيار الطلب.

خمسون ألف وظيفة في خطر

إذا أدى خطاب نظام الطيبات إلى تراجع الطلب على الدجاج والبيض بنسبة 10% فقط، فهذا يعني أنه ستكون هناك عمليات واسعة لتسريح العاملين

يمكن أن تختفي حوالي 50 ألف وظيفة بين عمل أقل، دخل أقل، تخفيض ساعات، توقف مزارع صغيرة، أو إفلاس وحدات ضعيفة.

قد لا تختفي كل هذه الوظائف فورًا، لكن السلسلة كلها ستشعر بالصدمة، المربي الذي لا يبيع إنتاجه سيتوقف عن طلب الكتاكيت، والمحضنة ستخفض الإنتاج. مصنع العلف سيبيع أقل، بينما الشاحنات ستنقل أقل.

الأسواق ستتراجع والمطاعم ستغير مشترياتها وفي النهاية، تنتقل الصدمة من قرار استهلاكي عاطفي إلى أزمة تشغيل حقيقية.

أما إذا تحولت الموجة إلى مقاطعة واسعة وخفضت الطلب بنسبة 20%، فإن عدد الوظائف الواقعة تحت الضغط قد يصل نظريًا إلى 100 ألف منصب، وهذا يجعلنا أمام فوضى حقيقية تهدد الاستقرار المجتمعي للمغرب بسبب خرافات مستورة من مصر.

بروتين الفقراء في خطر

بحسب معطيات 2026، بلغ استهلاك الفرد المغربي من لحوم الدواجن 23.6 كيلوغرامًا، كما وصل استهلاك البيض إلى 191 بيضة للفرد، وهو مستوى يعكس مكانة الدواجن في غذاء الأسر المغربية.

وقد بلغ الإنتاج المحلي من البيض في المغرب حوالي 7.06 مليارات بيضة في 2025، ما يجعلها من أكبر الدول في أفريقيا التي تنتج هذه المادة الأساسية.

وما يميز الدجاج أنه أرخص من اللحم الأحمر الذي ارتفع سعره في السنوات الأخيرة بسبب جفاف عنيف تعرضت له المملكة أدى إلى إلغاء العيد الأضحى العام الماضي 2025، ثم أعقبته تساقطات مطرية جيدة وامتلاء السدود بينما لا يزال أمام المغرب طريق طويل لاستعادة الاكتفاء الذاتي من اللحوم التي لجأ إلى استيرادها.

وتمثل الدواجن حوالي 55% من إجمالي اللحوم المستهلكة في المغرب، وقد أصبح المغرب ثالث أكبر منتج لها في إفريقيا بعد مصر وجنوب إفريقيا.

الانهيار الأخير في أسعار البيض جرس إنذار

شهد المغرب مؤخرًا تراجعًا واضحًا في أسعار البيض، وصل في بعض الأسواق إلى أقل من درهم للبيضة، بعد فترة طويلة من الارتفاع.

بعض المصادر المهنية ربطت الانخفاض بفائض الإنتاج وتراجع القدرة الشرائية، لا بوجود مرض أو أزمة صحية في القطاع، لكن أيضا لا نستبعد أن يكون الإقبال التاريخي على نظام الطيبات في المغرب وانتشار الحديث عنه قد ساهم في هذا الإنهيار.

حين يتراجع الطلب ولو جزئيًا، ينزل السعر بسرعة لأن البيض سلعة يومية لا يمكن تخزينها إلى الأبد، وإذا دخلت حملات المقاطعة على الخط، فإنها قد تزيد الضغط على قطاع حساس أصلًا لتقلبات الأعلاف والحرارة والطلب الموسمي والقدرة الشرائية.