
تمر البشرية حاليا بمرحلة انتقالية قد تكون في النهاية انتقالا للهيمنة من الغرب إلى الشرق، تليها فترة تراجع للبشرية، تبلغ ذروتها في ستينيات القرن الحادي والعشرين، ما يعني انتقالا إلى ما بعد العولمة والأرجح أنها الإنعزالية الآخذة في الصعود.
قد يُمثل هذا اتجاهًا تاريخيًا جديدًا للبشرية، حيث تتبع فترات النمو فترات من الركود والانحطاط، تنتهي بحدث يُقارب الانقراض للبشرية، أشد فتكًا من الطاعون، مثل الموت الأسود في القرن الرابع عشر.
ثم بعد ذلك تخرج البشرية من عصر الإنحطاط إلى دورة جديدة من النمو والتنوير، والتي يمكن تسميتها عصر النور، يليه عصر الإنحطاط، ثم عصر الظلام وهكذا هو تاريخ البشرية.
لا أحد يعرف في الواقع كم سيستمر عصر الظلام بعد سقوط العولمة التي بفضلها تطورت البشرية على مستويات عديدة من تطوير اللقاحات ونشرها والأدوية والتكنولوجيا الصحية إلى صناعة الأغذية نحو التكنولوجيا الرقمية والإتصالات ونشر الإنترنت.
نتيجة سقوط العولمة واتجاه كل دولة إلى الإكتفاء بما لديها من عقول وتكنولوجيا إلى تباطؤ الإبتكار ثم تتوقف التكنولوجيا مما قد يؤدي إلى عصر مظلم ثانٍ، على غرار ما عاشته البشرية أثناء وبعد انحدار وسقوط الإمبراطورية الرومانية في السياق التاريخي والسياسي الغربي.
في خضم هذا التحول، ستظهر فترة من الفوضى والحروب وعدم الإستقرار السياسي، بينما تتكيف القوى العالمية مع نظام عالمي جديد، الدول فيها أقل تعاونا وتواصلا من الآن، وكل دولة ستملك شبكة انترنت داخلية خاصة بها كما هو الحال في الصين التي تمنع الوصول إلى شبكة الإنترنت العالمية.
ومع أن هذا النوع من الصراعات لن يكون صراعًا مباشرًا بين القوى الكبرى، إلا أنه ستكون هناك صراعات مشابهة لحرب أوكرانيا المستمرة، والتي بدأت بغزو روسيا لأوكرانيا عام 2014 ثم غزوها الشامل عام 2022.
من الوارد أن تغزو الصين تايوان لاستخدامها كآلية للحفاظ على سيطرة الحزب الشيوعي الصيني على البر الرئيسي الصيني، نظرًا للنتائج الكارثية طويلة المدى لسياسة الطفل الواحد التي انتهجتها الصين، والتي كان من الممكن أن تجعل الصين تبرز كقوة عظمى في القرن الحادي والعشرين، وتعاني بكين اليوم في ظل رفض الشباب الصيني للزواج والتوالد لأسباب عديدة تتعلق بالحريات الفردية المقموعة في هذا البلد.
ومع ذلك، لن تهيمن الصين على النظام العالمي الجديد؛ فقد تبرز الهند لاحقًا في هذا القرن كأقوى دولة في العالم، فقد أصبحت أسرع اقتصاد نموا في العالم وتجاوزت اليابان نظريا.
لكن هذه المنطقة من العالم (شرق آسيا) تشهد ظاهرة تراجع معدلات المواليد بشكل كبير كما هو الحال في الغرب ويمكن أن تعاني منها الهند أيضا قبل نهاية القرن الحالي.
إن انهيار العولمة وانتصار الإنعزالية لا يحمل خيرا للعالم اليوم حيث يهدد كل التقدم الذي حققناه في المجالات برمتها، لأن التقدم الحالي وإن كان الغرب مركزه إلا أنه يعتمد على تراكم الخبرات والتعاون العابر للحدود بين المؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث وهذا التعاون مهدد في عصر الإنعزالية.
وفي ظل العولمة هناك قوانين دولية وأنظمة تفرض على الحكومات حماية الحريات الفردية واحترام حقوق الإنسان، لكن في الإنعزالية لا وجود لهذه المفاهيم، وكل دولة لديها مصطلحاتها وقاموسها لحكم شعبها، حينها تميل الحكومات إلى الإستبداد ما يعطي فرصة للأنظمة الشيوعية التي تؤله الحاكم وكذلك الأنظمة الدينية التي تحكم باسم الرب، وهناك أنظمة أخرى استبدادية هجينة تجمع بين الدين وقدسية الزعيم بشكل واضح لكنها تتبع أساليب مشابهة لقمع الحريات الفردية وانتهاك حقوق الإنسان.
وفي هذا العالم حيث يفقد الفرد حريته الفردية سيتمرد الأحرار وسيزج بالكثير منهم في السجون ويتعرض آخرين للقتل والنفي، وسيلجأ المفكرين إلى العدمية وإلى الرغبة في الموت، وفي ظل هذا الواقع المأساوي سيتوقف الإبتكار في مجالات كثيرة.
مع التراجع العالمي لسنوات عديدة في إيجاد حل للمشكلات الكبرى وانعزالية الأنظمة والعلماء والأدباء والمفكرين، ستفشل الكثير من الدول المتوسطة والصغيرة التي كانت تعتمد على التجارة العالمية والسياحة الدولية وستشهد اضطرابات مالية واقتصادية تصل إلى ذروتها مع المجاعات التي ستتمكن من خفض عدد سكان العالم من 8 مليارات نسمة الآن إلى أقل من 4 مليار نسمة في سنوات قليلة.
حينها لن تكون أي قوة عالمية في هذا النظام العالمي المنغلق قادرة على التدخل لإيقاف المجاعات التي سيكون الشرق الأوسط وافريقيا مسرحا رئيسيا لها قبل أن تتمكن من الوصول إلى قلب أوروبا وبقية العالم، وقد تتلقى الدول المتضررة مساعدات لكنها أقل من الإحتياجات الحقيقية ولن يكون هناك إلتزام حقيقي من الدول القوية لإيقاف المجاعات أو حتى الأوبئة خارج نطاق سيطرتها لأنها انعزالية ولا تؤمن بالعولمة التي تشبه العالم بالقرية الصغيرة إذا تفشى الطاعون في شرقها وصل إلى غربها، وما هي إلا مسألة وقت!
ستكون هناك حروب حول المياه والموارد وسيأكل القوي الضعيف، وتحتل القوى الكبرى جيرانها الضعفاء، وسيكون هناك ظلم وضرائب مرتفعة وانتهاكات، وببساطة نتحدث عن حالة فوضى عالمية تغيب فيها القوانين الدولية التي وضعتها الولايات المتحدة وحلفائها والمجتمع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.
لا تقدم القوى الشرقية اليوم نموذجا ديمقراطيا ناجحا (باستثناء الهند) أو نظاما أفضل للشعوب، بل أنظمة استبدادية تؤله الزعيم وتكرس للحكم الفردي أو للحزب الواحد، وهو ما نراه في الصين وكوريا الشمالية وروسيا وهي التي ستسود بعد سقوط العولمة وانحسار الديمقراطية في العالم.
سيقبع العالم لعشرات السنين أو حتى قرونا عديدة في ظلام الإنعزالية وتختفي التكنولوجيا، وتنتكس البشرية على مستويات كثيرة، قبل أن تأتي الأجيال التي ستعيد إحياء الفكر التنويري وتبني نظاما عالميا قائما على العولمة يسقط الإستبداد، وتستأنف التقدم البشري لكنها ستنظر بلا شك إلى الأجيال التي سمحت بسقوط العولمة على أنها أجيال متخلفة وغبية وخائنة للجنس البشري، وبالطبع هي كذلك!
