
تتحول غويانا بسرعة من دولة صغيرة محدودة الحضور في الاقتصاد العالمي إلى واحدة من أكثر قصص النفط إثارة في هذا العقد، بعدما تجاوز إنتاجها النفطي 900 ألف برميل يوميًا واقترب من حاجز المليون برميل، في وقت تستعد فيه الحكومة لمضاعفة الإنتاج خلال سنوات قليلة والاستفادة من عائدات قد تعيد تشكيل مستوى المعيشة والاقتصاد بالكامل.
وبدأت القصة عام 2015 مع اكتشاف النفط في حقل ستابروك البحري، قبل أن يبدأ الإنتاج التجاري في ديسمبر 2019، لتقفز غويانا خلال سنوات معدودة إلى المرتبة الثالثة بين أكبر منتجي النفط في أمريكا الجنوبية بعد البرازيل وفنزويلا.
هذا التحول السريع منح البلاد معدلات نمو استثنائية، لكنه فتح في الوقت نفسه نقاشًا واسعًا حول حجم العائد الحقيقي الذي تحصل عليه الدولة مقارنة بما تجنيه شركة إكسون موبيل وشركاؤها.
إنتاج النفط يقترب من مليون برميل يوميًا
قال وزير الموارد الطبيعية في غويانا فيكرام بهارات إن إنتاج البلاد تجاوز بالفعل 900 ألف برميل يوميًا، فيما تتوقع الحكومة تخطي مستوى مليون برميل يوميًا قبل نهاية 2026.
ولا تتوقف الخطط عند هذا الحد، إذ تستهدف غويانا الوصول إلى نحو 1.3 مليون برميل يوميًا في 2027، ثم إلى قرابة 1.7 مليون برميل يوميًا بحلول 2030، مع دخول مشاريع بحرية ضخمة جديدة مثل Uaru وWhiptail وHammerhead وLongtail إلى الخدمة.
وتعكس هذه الوتيرة حجم التحول الذي يشهده قطاع الطاقة في البلاد، إذ لم تكن غويانا دولة منتجة للنفط قبل سبع سنوات فقط، بينما باتت اليوم واحدة من أسرع الاقتصادات النفطية نموًا في العالم.
الاقتصاد ينمو بأكثر من 20% في 2026
تتوقع الحكومة أن ينمو الاقتصاد الغياني بنحو 20.8% خلال 2026، مدفوعًا بزيادة إنتاج النفط بنسبة تقارب 17.9%، مع إيرادات نفطية متوقعة تبلغ نحو 6.5 مليارات دولار.
وليس هذا النمو استثنائيًا فقط مقارنة ببقية دول المنطقة، بل يأتي بعد سلسلة من معدلات النمو الهائلة التي سجلتها البلاد منذ بدء الإنتاج النفطي. فقد نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 63.3% في 2022، ثم 33.8% في 2023، و43.6% في 2024، قبل أن يتباطأ إلى 10.3% في 2025.
وخلال النصف الأول من 2026 وحده، نما الاقتصاد بنحو 33%، في حين توسع الاقتصاد غير النفطي أيضًا بمعدل يقارب 10.1%، ما يشير إلى أن النشاط الجديد لا يقتصر على استخراج الخام فقط، بل ينعكس على قطاعات أخرى مثل البناء والنقل والخدمات والهندسة والتمويل.
النفط يدفع غويانا نحو اقتصاد مرتفع الدخل
ترى المؤسسات الدولية أن طفرة النفط تسرّع انتقال غويانا نحو فئة الاقتصادات مرتفعة الدخل، خصوصًا مع صغر عدد السكان الذي لا يتجاوز نحو مليون نسمة.
وبحسب تقديرات صندوق النقد الدولي، فإن قيمة الاحتياطيات النفطية للفرد في غيانا تعد من الأعلى في العالم، ولا تتفوق عليها سوى الكويت تقريبًا.
وهذا العامل يمنح البلاد وضعًا استثنائيًا، لأن عائدات النفط الضخمة موزعة نظريًا على قاعدة سكانية صغيرة للغاية، ما يرفع إمكانية إحداث تحول سريع في متوسط الدخل والبنية التحتية والخدمات العامة إذا أُديرت الموارد بكفاءة.
وقد نما صندوق الموارد الطبيعية في غيانا إلى أكثر من 3.1 مليارات دولار بنهاية 2024، وهو الصندوق الذي تستخدمه الحكومة لتجميع جزء من إيرادات النفط وتمويل الإنفاق العام بصورة تدريجية.
الناتج المحلي قد يصل إلى 69 مليار دولار بحلول 2030
إذا تحققت خطط التوسع الحالية، فقد يرتفع الناتج المحلي الإجمالي لغيانا إلى ما بين 50 و69 مليار دولار بحلول 2030، وهو رقم ضخم بالنسبة إلى دولة بهذا الحجم السكاني.
ويرتبط هذا السيناريو بالتوسع السريع في الإنتاج ودخول مشاريع نفطية جديدة بتكاليف استثمارية ضخمة، من بينها مشروع Uaru الذي تبلغ قيمته نحو 12.7 مليار دولار.
ولا تقتصر آثار هذه الاستثمارات على قطاع النفط نفسه، إذ أنفقت الشركات العاملة في البلاد ما يقدر بنحو 3.6 مليارات دولار لدى شركات محلية بين 2019 و2025، ما ساعد على تنشيط قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والتصنيع والبناء والخدمات المالية.
غويانا أصبحت مهمة لإكسون موبيل أيضًا
لم تعد غويانا مجرد مستفيد من استثمارات إكسون موبيل، بل أصبحت عنصرًا مهمًا في أعمال الشركة نفسها.
وساهم الإنتاج الغياني في رفع إنتاج إكسون من النفط إلى أعلى مستوى له منذ أكثر من 40 عامًا، كما باتت عمليات غيانا تساهم بنحو 15% من الدخل التشغيلي للشركة.
ولخص الاقتصادي الغياني ريتشارد رامباران هذه العلاقة بقوله إن البعض اعتاد القول إن «إكسون أنقذت غيانا»، لكن يمكن أيضًا القول إن «غيانا أنقذت إكسون»، في إشارة إلى الأهمية المتزايدة للحقول الغيانية داخل محفظة أعمال الشركة.
هل حصلت غويانا على صفقة جيدة؟
يقول الاقتصادي في جامعة غيانا توماس سينغ إن حصة الدولة البالغة نحو 14.5% من عمليات الكونسورتيوم الذي تقوده إكسون تمثل «صفقة سيئة للغاية» مقارنة بما تحصل عليه حكومات دول أخرى منتجة للنفط مثل النرويج والبرازيل.
ويعكس هذا الانتقاد مخاوف من أن تكون غويانا قد منحت شروطًا سخية جدًا للشركات في المرحلة التي كانت فيها لا تزال دولة غير نفطية وتسعى إلى جذب الاستثمار بأي ثمن.
في المقابل، يؤكد مسؤولو إكسون أن نظام العقود يتضمن آليات تسمح بزيادة العوائد التي تحصل عليها الدولة مع تطور المشاريع وارتفاع الإنتاج.
وهنا يكمن أحد أهم الأسئلة التي ستحدد أثر الطفرة النفطية خلال السنوات المقبلة: هل ستتمكن الحكومة من تحويل النمو السريع في الإنتاج إلى حصة أكبر وأكثر استدامة من الثروة؟
40 ألف منزل واستثمارات في التعليم والصحة
تقول الحكومة إن عائدات النفط بدأت بالفعل في الظهور في حياة المواطنين، من خلال توسيع الإنفاق على الإسكان والبنية التحتية والتعليم والصحة والنقل.
ومن بين أبرز الخطط المعلنة بناء 40 ألف منزل خلال السنوات الخمس المقبلة، إلى جانب مشاريع طرق وجسور جديدة، وتوسيع الاستثمار في الخدمات الصحية والتعليمية.
كما ألغت الحكومة الرسوم الجامعية، وخفضت بعض الضرائب، وقدمت دفعات نقدية مباشرة للمواطنين بقيمة تقارب 500 دولار، في محاولة لتوزيع جزء من عوائد الطفرة بصورة مباشرة.
وتدعم إكسون وشركاؤها بدورهم عددًا من المشاريع الاجتماعية، من بينها برامج للتنوع البيولوجي وتحسين الإنتاج الغذائي، إضافة إلى التزام باستثمار 100 مليون دولار في تطوير القوى العاملة المحلية والرعاية الصحية.
لكن المواطن لا يشعر دائمًا بالطفرة
رغم الأرقام الاقتصادية اللافتة، لا تبدو الصورة على الأرض وردية بالكامل. فبعض السكان ينتقدون استمرار الفقر وضعف البنية التحتية والخدمات في مناطق واسعة، حتى مع تدفق المليارات إلى الاقتصاد.
وقالت المحامية الغيانية رومولا لوكاس إن المواطنين «سئموا من سماع الحديث عن طفرة لا تعني شيئًا لمعظم الغيانيين»، في وقت لا تزال فيه مياه الصرف تجري في قنوات العاصمة جورج تاون، وتعيش عائلات في مساكن غير ملائمة معرضة للفيضانات والحرائق، بينما تبقى الجريمة مشكلة يومية.
هذا التناقض بين معدلات النمو القياسية والواقع الاجتماعي هو ما سيحدد نجاح التجربة الغيانية أو فشلها في النهاية.
هل تتجنب غويانا «لعنة النفط»؟
تملك غويانا فرصة نادرة لتجنب المسار الذي عرفته دول كثيرة غنية بالموارد الطبيعية، حيث أدت الثروة النفطية إلى الفساد والاعتماد المفرط على الخام وإضعاف بقية الاقتصاد بدل تحسين حياة السكان.
ويبدو صناع القرار مدركين لهذا الخطر، إذ تحاول الحكومة استخدام الصندوق السيادي والاستثمار في قطاعات غير نفطية وتوسيع البنية التحتية بدل الاعتماد الكامل على الإنفاق الجاري.
لكن التحدي سيكون في الحفاظ على الشفافية، وتحسين جودة المؤسسات، وضمان أن لا تتحول الثروة إلى امتيازات لفئة محدودة أو إلى مشروعات ضخمة من دون عائد اجتماعي واضح.
ويقول رجل الأعمال الغياني جيري غوفيا جونيور إن القيادة المحلية تعرف كيف أخطأت دول أخرى، معتبرًا أن البلاد «لديها فرصة للقيام بالأمر بشكل صحيح».
غويانا أمام فرصة تاريخية
خلال أقل من عقد، انتقلت غويانا من دولة هامشية في سوق الطاقة إلى منتج نفطي يقترب من مليون برميل يوميًا، ومع خطط الوصول إلى 1.7 مليون برميل بحلول 2030، قد تصبح واحدة من أهم مراكز النمو النفطي الجديدة في العالم.
صغر عدد السكان، وضخامة الاحتياطيات، وتسارع الإنتاج تمنح البلاد فرصة ربما لا تتكرر لإعادة بناء الاقتصاد ورفع مستوى المعيشة خلال سنوات قليلة.
لكن النجاح لن يُقاس بعدد البراميل وحده، بل بقدرة الحكومة على تحويل تلك البراميل إلى طرق ومدارس ومستشفيات وفرص عمل ودخل أعلى للمواطنين.
وبهذا المعنى، فإن قصة غويانا النفطية لم تُحسم بعد. فقد تكون البلاد على طريق التحول إلى واحدة من أغنى دول العالم للفرد، أو قد تكتشف أن امتلاك النفط أسهل بكثير من إدارة الثروة التي يصنعها.
