زيرو تفاهة مشاهير المغرب

بينما تبدو حملة زيرو تفاهة في ظاهرها، معركة أخلاقية لتطهير الشبكات الاجتماعية من المحتوى الرديء، إلا أنها تهدد واحدة من أهم الأوراش التي يراهن عليها المغرب في عصر الإقتصاد الرقمي.

ما بدأ كشعار غاضب على فيسبوك وتيك توك، تقوده الناشطة الحقوقية سميرة البقالي، تحول إلى ماكينة شكايات واعتقالات ومتابعات قضائية يصفق لها جزء من الرأي العام بحماس، مع تزايد خطاب الكراهية الذي يحتقر صناعة المحتوى في المغرب.

لكن بالنسبة لصناع المحتوى في شتى المجال والمؤثرين هذه إشارة حمراء تدفعهم للهجرة والبحث عن دول ذات مناخ أفضل.

من حملة أخلاقية إلى ماكينة اعتقالات

خلال أسابيع قليلة، تحولت حملة زيرو تفاهة إلى ما يشبه “خلية رصد” تلاحق المؤثرين واحدًا تلو الآخر، عبر شكايات رسمية تودَع باسم “الدفاع عن القيم”.

تقارير إعلامية مغربية تحدثت عن سلسلة اعتقالات وتحقيقات طالت أسماء واسعة الانتشار على تيك توك ويوتيوب، من بينها آدم بنشقرون ووالدته، و”مولينكس”، وإلياس المالكي، وغيرهم ممن تصنّفهم الحملة ضمن “صناع التفاهة” أو “ناشري الفساد الأخلاقي”.

الإعلام المساند للحملة قدّم ما يجري باعتباره “تطهيرًا للفضاء الرقمي في المغرب”، وصوّر المؤثرين كمصدر رئيسي لانهيار القيم وسقوط المجتمع في الرداءة والانحلال.

هذا الخطاب الشعبوي الذي يقوم على استجداء العاطفة والشعارات الرنانة إلى جانب أنه يخلق مجتمعا منافقا، فهو يهدد أهداف الدولة المغربية التي تسعى إلى استغلال التكنولوجيا لتحقيق التنمية الاقتصادية المنشودة.

ورغم ان بعض المؤثرين متورطين فعلا في ممارسات غير قانونية إلا أنهم استثناء وليسوا قاعدة واستغلال اعتقال بعضهم من أجل شن حرب على هذه الصناعة هي حركة خبيثة.

دولة تراهن على الاقتصاد الرقمي… ثم تحاصره!

في سبتمبر 2024 أطلقت الحكومة الاستراتيجية الوطنية “المغرب الرقمي 2030”، معلنة أهدافًا طموحة وأبرزها خلق 240 ألف منصب شغل في القطاع الرقمي، ورفع مساهمة هذا الاقتصاد إلى نحو 170 مليار درهم من الناتج الداخلي الخام بحلول 2030، وجعل المغرب قطبًا رقميا إقليميًا.

في الوقت نفسه، اتجهت التشريعات المالية إلى إدماج صناع المحتوى ضمن الوعاء الضريبي ابتداء من 2025، باعتبارهم فاعلين اقتصاديين يحققون مداخيل مهمة، بعضها يُقدَّر بآلاف الدولارات شهريًا، وتصلهم من منصات مثل يوتيوب وتيك توك وفيسبوك على شكل تحويلات بالعملة الصعبة.

دراسة حديثة أشارت إلى أن سوق التسويق عبر صناع المحتوى والمؤثرين في المغرب بلغ سنة 2024 حوالي 4.2 مليارات درهم (نحو 420 مليون دولار)، أي ما يقارب 15 في المئة من رقم معاملات التجارة الإلكترونية في البلاد.

هذه أرقام ليست هامشية؛ نحن أمام قطاع يتشكل بسرعة ويخلق قيمة مضافة حقيقية، جزء معتبر منها يدخل إلى المغرب كعملة صعبة خالصة.

كيف يمكن لدولة تقول إنها تريد اقتصادًا رقميًا قويًا، وتراهن على 240 ألف وظيفة رقمية جديدة، أن تسمح في الوقت نفسه بحملة شعبوية من نوع زيرو تفاهة، تجعل من المؤثرين هدفًا مشروعًا للتشهير والتجريم، وتحوّل علاقتهم بالمنظومة القانونية إلى علاقة خوف دائم؟

كيف ينظر صناع المحتوى إلى حملة زيرو تفاهة؟

خطر حملة زيرو تفاهة لا يتجلى فقط في عدد الشكايات أو الاعتقالات، بل في الرسالة غير المعلنة التي تبثها في أوساط الشباب الذين اختاروا الاستثمار في صناعة المحتوى بدل البطالة أو الهجرة السرية.

الرسالة بسيطة وقاسية: أي فيديو قد يثير الجدل اليوم، يمكن أن يتحول غدًا إلى محضر استماع وتهمة “تفاهة” أو “خدش للحياء” أو “إخلال بالنظام العام”.

بهذا المنطق، لا يعود صانع المحتوى مواطنًا يمارس حرية التعبير في إطار القانون، بل متهمًا محتملًا يمشي فوق حقل ألغام قانونية وأخلاقية لا يعلم أين تبدأ وأين تنتهي، وكلما ارتفع منسوب الشعبوية، تضيق الحدود بين المخالفة الأخلاقية والجريمة المعاقب عليها.

النتيجة المتوقعة ليست “تنظيف السوشل ميديا”، بل خنق روح المبادرة لدى جيل كامل يرى أمامه الفرصة للهروب من البطالة عبر تقديم محتوى ترفيهي عليه طلب.

ومن المعلوم أن الصناعة تخضع لمعيار العرض والطلب وما دام هناك طلب مرتفع على ما يسمى التفاهة سيقدمونها لتحقيق المشاهدات وهذا يعني أن ما ينجح هو ما يريده المستخدم نفسه وهو من يبحث عن هؤلاء فهو ليس أمام تلفزيون فيه قناة عمومية واحدة يجد نفسه مضطرا ليشاهدها، لقد تغير الأمر وهناك أنواع الملايين من الصفحات والمواقع والقنوات والحسابات التي تقدم محتوى متنوعا كل يوم.

هجرة صناع المحتوى إلى الإمارات وتركيا وتايلاند ودول أخرى

لكن ما يجب أن تعرفه الجهات التي تدعم حملة زيرو تفاهة هو أن صانع المحتوى ليس موظفًا مرتبطًا بمقر عمل في الحي الإداري، بل إنه مشروع متنقل يمكن أن يشتغل من أي مدينة في العالم، ما دام يحمل حاسوبه وهاتفه وخط إنترنت مستقرًا.

تقدر دراسة “ديجي تريندز” حول سوق المؤثرين في المغرب حجم التسويق عبر صناع المحتوى بـ4.2 مليارات درهم في 2024، أي أن أي نزوح منظم لهؤلاء نحو عواصم أخرى لن يكون مجرد حركة فردية، بل نزيفًا حقيقيًا في قطاع أصبح يشكل 15٪ من التجارة الإلكتروني

هجرة الأدمغة القديمة كانت تعني طبيبًا أو مهندسًا يغادر؛ الهجرة الرقمية الجديدة تعني منصات كاملة، وجماهير، وتدفقات مالية، تنتقل بضغطة زر من اقتصاد إلى آخر.

والحقيقة هي أن هناك وجهات ودول ترحب بهؤلاء وتقدم كل التسهيلات للإنتقال إليها خصوصا لمن يحقق منهم دخلا جيدا.

في هذا الصدد نجد الإمارات التي وسّعت برنامج الإقامة الذهبية ليشمل صناع المحتوى الرقمي، وأطلقت فئة خاصة من “الفيزا الذهبية” للمؤثرين ومنتجي المحتوى والكتاب والبودكاسترز، تمنحهم إقامة طويلة الأمد تصل إلى 10 سنوات قابلة للتجديد، مع بنية تحتية متطورة، وفضاءات عمل، ومبادرات مثل “Creators HQ” لتحويل دبي إلى عاصمة عالمية لاقتصاد المحتوى.

تركيا بدورها أطلقت تأشيرة “الرحّل الرقميين” أو الـDigital Nomad Visa، التي تستهدف العاملين عن بعد والمسوقين الرقميين، وتمنحهم حق الإقامة والعمل من إسطنبول ومدن أخرى، بشرط توفر دخل خارجي مستقر.

كما أن تايلاند تمكنت من استقطاب المئات من المغاربة الذين يعملون في مجال التجارة الإلكترونية بسبب تدني الضرائب ومرونة التحويل المالي هناك، وهناك دول أخرى مثل اسبانيا ومالطا وقبرص وليتوانيا والبرتغال تستهدف صناع المحتوى والعاملين في التجارة الإلكترونية.