
بعد أكثر من ربع قرن على هجمات 11 سبتمبر، لا تزال نظريات المؤامرة المرتبطة بها تجد جمهوراً واسعاً في بريطانيا، خصوصاً بين الشباب الذين لم يكونوا قد ولدوا عندما اصطدمت الطائرات ببرجي مركز التجارة العالمي عام 2001.
وتشير استطلاعات ودراسات بريطانية إلى أن نسبة غير قليلة من الجمهور تعتقد أن جهات داخل الولايات المتحدة ربما ساعدت على وقوع الهجمات أو امتنعت عمداً عن منعها بهدف توفير مبرر للحرب في الشرق الأوسط، في وقت يحذر فيه تربويون وباحثون من أن منصات مثل تيك توك أصبحت مصدراً رئيسياً للمعلومات التاريخية لدى كثير من المراهقين.
ربع البريطانيين يصدقون روايات بديلة عن 11 سبتمبر
أظهر بحث أجراه معهد السياسات في كينغز كوليدج لندن عام 2022 أن 24% من البريطانيين أجابوا بـ«بالتأكيد» أو «على الأرجح» عند سؤالهم عما إذا كان أشخاص داخل الولايات المتحدة قد ساعدوا في تنفيذ هجمات 11 سبتمبر أو تركوها تحدث لأنهم أرادوا خوض حرب في الشرق الأوسط.
وتكشف هذه النسبة مدى انتشار الاعتقاد بأن أجهزة الاستخبارات الأمريكية كانت تمتلك معلومات مسبقة عن الهجمات لكنها تعمدت عدم التدخل، وهي رواية لا تدعمها الأدلة الرسمية والتحقيقات المعروفة بشأن الهجمات.
ويرى العاملون في مجال التوعية أن المشكلة تزداد تعقيداً لدى الأجيال التي لم تعش الحدث ولم تتلق عنه تعليماً كافياً داخل المدارس.
ويقول ريتشاردز، من منظمة Since 9/11، إن العمل مع الشباب في سن مبكرة أصبح ضرورياً قبل أن تترسخ هذه التصورات في أذهانهم، مضيفاً أن الهدف هو منحهم مصادر موثوقة وطرقاً للتمييز بين المعلومات الصحيحة والمحتوى المضلل الذي قد يصادفونه على تيك توك.
نظرية «القنبلة داخل البرجين»
من أكثر الروايات انتشاراً بين بعض الطلاب الاعتقاد بأن اصطدام الطائرات ببرجي مركز التجارة العالمي لم يكن السبب الحقيقي لانهيارهما، بل مجرد غطاء لتفجير داخلي سبق التخطيط له.
ويستشهد مروجو هذه النظرية عادة بالانفجارات والنيران التي ظهرت بعد اصطدام الطائرات، إضافة إلى نقاشات حول درجات الحرارة التي يصل إليها احتراق وقود الطائرات ومتى يفقد الفولاذ قدرته على تحمل الأحمال.
لكن هذا النوع من الجدل يتحول بسهولة إلى ما يسميه الباحثون «حفرة أرنب» من التفاصيل التقنية المعزولة عن السياق الكامل.
ويقول البروفيسور هايوارد، الذي يعمل مع المدارس لمساعدة المعلمين على التعامل مع نظريات المؤامرة، إنه شهد طلاباً يدخلون في نقاشات تقنية معقدة حول نقطة انصهار الفولاذ أثناء الحديث عن 11 سبتمبر.
وفي إحدى الحالات، كان أحد الطلاب يعرف تفاصيل كثيرة عن إحدى نظريات المؤامرة إلى درجة أنه بدا أكثر إلماماً بها من المعلم نفسه.
المشكلة لا تقتصر على الطلاب
المفارقة أن الشك في الرواية الرسمية لا يقتصر دائماً على التلاميذ، يقول هايوارد إنه التقى بعض المعلمين الذين لم يكن مقتنعاً بأنهم يؤمنون بالكامل بالرواية الرسمية للأحداث، وهو ما يجعل مهمة التصدي للمعلومات المضللة أكثر تعقيداً.
فإذا كان المعلم نفسه متردداً أو يفتقر إلى المعرفة الكافية، يصبح من الأصعب عليه مواجهة طالب شاهد عشرات المقاطع ومئات المنشورات التي تقدم نظريات المؤامرة بثقة وبصيغة تبدو «بحثية».
استطلاع صادم بين المسلمين البريطانيين
في عام 2016، نشر مركز Policy Exchange تقريراً استند إلى استطلاع شمل 3000 مسلم بريطاني، ووُصف حينها بأنه من أكثر الاستطلاعات شمولاً لآراء المسلمين في بريطانيا.
ووجد الاستطلاع أن 31% من المشاركين اعتقدوا أن الولايات المتحدة كانت وراء هجمات 11 سبتمبر، بينما ألقى 7% باللوم على اليهود، ولم يرَ سوى 4% أن تنظيم القاعدة هو المسؤول.
وتكشف هذه الأرقام حجم الاختلاف بين نتائج التحقيقات المعروفة وبين ما يعتقده جزء من الجمهور.
كما أشار الاستطلاع إلى وجود صلة محتملة بين تبني بعض هذه النظريات وطريقة التصرف تجاه التطرف.
فعندما سُئل المشاركون عما سيفعلونه إذا علموا بأن شخصاً مقرباً منهم بدأ يتواصل مع أشخاص يدعمون الإرهاب في سوريا، قال 52% فقط إنهم سيبلغون الشرطة.
العمر أهم من الدين
رغم التركيز المتكرر على الخلفية الدينية عند الحديث عن نظريات المؤامرة المتعلقة بـ11 سبتمبر، تشير بيانات أخرى إلى أن العمر قد يكون عاملاً أكثر أهمية.
فبحسب استطلاع أجرته YouGov عام 2021، كان الشباب بين 18 و24 عاماً أكثر ميلاً بنحو الضعف من الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 65 عاماً إلى الاعتقاد بأن الحكومة الأمريكية ساعدت عن علم في تنفيذ الهجمات.
وهذا الفارق يسلط الضوء على مشكلة معرفية مختلفة: الأجيال الأصغر تتعامل مع 11 سبتمبر كحدث تاريخي بعيد تتعرف عليه غالباً عبر الإنترنت، وليس كواقعة عاشتها مباشرة وشاهدت تغطيتها لحظة بلحظة.
اقرأ أيضا: 11 سبتمبر وداعش و7 أكتوبر: هل الإسلام دين الإرهاب؟
غياب أحداث 11 سبتمبر في المناهج الدراسية
يعكس ناثانيال كلارك، البالغ من العمر 19 عاماً، هذه الفجوة، ويقول إنه لا يتذكر تلقيه أي تعليم حقيقي عن هجمات 11 سبتمبر خلال المرحلتين الابتدائية والثانوية، رغم قربها الزمني نسبياً من جيله.
ويضيف أن نظريات المؤامرة منتشرة بين أقرانه، خصوصاً الادعاءات بأن الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش أو وكالة الاستخبارات المركزية CIA دبّرا الهجمات لتوفير مبرر للحرب في الشرق الأوسط. كما تنتشر روايات أخرى تتهم جهاز الموساد الإسرائيلي بالوقوف خلف الهجمات.
تكشف هذه الظاهرة مشكلة أوسع من نظريات المؤامرة نفسها، فعندما لا يحصل الشباب على معرفة تاريخية متماسكة من المدرسة أو الأسرة، تملأ المنصات الرقمية هذا الفراغ.
لكن الخوارزميات لا ترتب المعلومات بحسب صحتها، بل بحسب قدرتها على جذب الانتباه وإثارة التفاعل، ولهذا تكون الروايات الصادمة أكثر قابلية للانتشار من التفسيرات المعقدة المبنية على التحقيقات والوثائق.
والنتيجة أن شاباً لم يدرس 11 سبتمبر قد يشاهد أولاً مقطعاً مدته دقيقة يدعي أن «الفولاذ لا يمكن أن يذوب» أو أن وكالة استخبارات كانت وراء الهجمات، ثم يدخل في سلسلة متصلة من المحتوى المشابه قبل أن يقرأ أي مصدر تاريخي جاد عن الحدث.
