الدجاج دجاجة

في غزة، حيث تحوّل البقاء نفسه إلى معركة يومية، خرجت من بين الركام والخيام والحرمان قصة صغيرة في حجمها، هائلة في معناها عنوانها: عائلة نجت من المجاعة بفضل دجاجة.

ليست هذه مبالغة أدبية، بل صورة مكثفة لوضع صار فيه البيض طعاماً نادراً، وصار قرار ذبح دجاجة أو إبقائها حيّة سؤالاً وجودياً لا يخص الغذاء وحده، بل ما تبقى من إنسانية الناس وهم يتآكلون تحت الحصار والجوع والاقتلاع.

مالك شنبري يروي حكاية البقاء

يروي مالك شنبري، وهو أحد الناجين من المجاعة في قطاع غزة، فصول تجربة قاسية تنقلت فيها عائلته بين محطات نزوح متكررة، في مشهد يلخص حياة كثير من الغزيين الذين صاروا يفرّون من الموت إلى الجوع، ومن الجوع إلى خوف جديد.

وفي خضم هذه الرحلة الشاقة، كانت هناك دجاجة ترافقهم، دجاجة لم تكن في البداية سوى عبء إضافي على عائلة تكافح أصلاً لتأمين فتات الطعام.

لكن هذه الدجاجة، كما يقول شنبري، نجت مرات عدة من الذبح. ففي كل مرة كان يمد يده نحو عنقها، كانت زوجته أيلول تمنعه، كأنها كانت ترى فيها شيئاً لم يكن قد اتضح بعد.

يقول: «هذه الدجاجة نجت من سكيني مرات عدة خلال نزوحي من مكان إلى آخر.. تسع مرات، في كل مرة كنت أمد يدي على عنقها، كان أحدهم يوقفني: زوجتي أيلول».

إقرأ أيضا: قصة وفاة الدكتورة شيماء البديوي بسبب نظام الطيبات

من عبء ثقيل إلى مصدر حياة

في ظروف النزوح والجوع، لا تبدو الدجاجة كنزاً، بل فماً إضافياً يحتاج إلى طعام، ولهذا لم تكن العائلة تنظر إليها في البداية بوصفها نجاة محتملة، بل ككائن ثقيل عليهم في خيمة بالكاد تحتمل من فيها.

ويصف شنبري تلك الصورة بكلمات موجعة: «في خيمة شرائطها أبرد من الجوع، كانت تشعر أنها ثقيلة علينا، تأكل أي شيء، تمشي بخفة، ونظراتها لنا تعتذر عن بقائها حيّة».

لكن المفاجأة التي غيّرت كل شيء لم تكن في لحمها، بل في بقائها حيّة. فقد بدأت الدجاجة تضع بيضة كل ثلاثة أيام تقريباً، بيضة واحدة فقط، لكنها في زمن المجاعة لم تكن مجرد بيضة، بل وجبة، وفسحة بقاء، وسبباً لتأجيل الانهيار.

حين تصبح البيضة أثمن من الذبيحة

يقول شنبري إن تلك البيضة الدافئة كانت تُقسم بين زوجته وطفله، بينما كان هو يؤجل جوعه ويكتفي بالنظر إليهما.

هنا تنقلب المعادلة القاسية، ما كان يبدو عبئاً صار منقذاً، وما كان يصلح لوجبة ليومين صار سبباً للصمود لأسابيع أطول.

ويختصر شنبري هذه المفارقة المؤلمة في عبارة شديدة الكثافة: «فما أنقذها حقاً لم نكن نحن، بل البيضة».

في هذه الجملة وحدها يتكثف كل شيء: الجوع، والعجز، والحساب الوحشي الذي تفرضه المجاعة على الإنسان.

لم تعد القضية عاطفة نحو طائر صغير، بل اقتصاد نجاة بدائي، حيث تُقاس الحياة بما ينتجه الكائن لا بما يمثله.

سؤال الذبح الذي يكشف ما تبقى من البشر

ومع ذلك، لم ينتهِ الصراع عند هذا الحد، بين كل بيضة وأخرى، كان السؤال يعود أكثر قسوة: هل تُذبح الدجاجة فتؤكل ليومين، أم تُترك حيّة لتمنح العائلة فرصة أطول للبقاء؟ ذلك السؤال لا يخص الطعام فقط، بل يخص طبيعة الإنسان حين يُدفع إلى أقصى حدود الحاجة.

ويبلغ هذا التوتر ذروته حين يروي شنبري كيف انكسرت يد صديقه حامد، وأصبح بحاجة إلى أي بروتين في هذا الفراغ القاتل.

عندها قرر أن يذبح الدجاجة من أجله، لكن حامد نفسه رفض، نظر إليها طويلاً، ثم قال: «لا يا مالك، لن أتحمل هذا الذنب، لن أشرب مرقتها… لن أكون أنا السبب».

هنا لا تعود القصة عن دجاجة فقط، بل عن الخط الأخير الذي يفصل الإنسان عن التوحش الكامل، وعن المحاولة اليائسة للتمسك ببقايا الرحمة في عالم يسحب من الناس كل شيء.

إقرأ أيضا: قصة وفاة الدكتورة شيماء البديوي بسبب نظام الطيبات

دجاجة لم تهن عليهم.. بينما هان أطفال غزة على العالم

ربما تكون أقسى جملة في هذه الحكاية هي تلك التي يصل فيها مالك إلى الخلاصة الأخلاقية لما عاشه، حين يقول: «في هذه اللحظة فهمت أننا كنا ننقذ أنفسنا من أنفسنا، كان اختباراً لآخر جزء فينا لم يتوحش بعد.. لم تهن علينا دجاجة، وهان على هذا العالم الحقير أطفالنا».

هذه ليست مجرد جملة عاطفية، بل اتهام أخلاقي صريح لعالم يرى المجاعة ولا يوقفها، يرى الأطفال يضعفون، والأمهات يقتسمن الفتات، والرجال يؤجلون جوعهم، ثم يواصل الكلام عن القيم والمعايير والقانون الدولي وكأن شيئاً لا يحدث.

حين تصبح دجاجة سبباً في إنقاذ عائلة من الجوع، فإن الفضيحة ليست في فقر العائلة، بل في سقوط العالم إلى هذا الحد من العجز أو اللامبالاة.