
كشف استطلاع للرأي أجرته مؤسسة IFOP لصالح مجلة ماريان الفرنسية أن 46% من المسلمين في فرنسا قد يفكرون في مغادرة البلاد إذا وصلت مارين لوبان إلى رئاسة الجمهورية في 2027، في نتيجة تعكس حجم القلق داخل جزء مهم من المجتمع المسلم من التحول السياسي الذي قد يصاحب وصول التجمع الوطني إلى الإليزيه.
ولا يعني الرقم أن ما يقرب من نصف المسلمين الفرنسيين قرروا بالفعل الهجرة، إذ يتعلق السؤال بإمكانية التفكير في المغادرة في هذا السيناريو السياسي، لكنه يظل مؤشرًا لافتًا في بلد يضم ملايين المسلمين وتتحول فيه قضايا الهجرة والعلمانية والرموز الدينية إلى ملفات مركزية قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة.
46% قد يفكرون في مغادرة فرنسا
جاءت النتيجة ضمن دراسة أوسع لـIFOP تناولت الإسلام والعلمانية والشعور بالتمييز ومستقبل التعايش داخل المجتمع الفرنسي، وخصصت ماريان جزءًا منها للسؤال عما إذا كان المسلمون يمكن أن يغادروا البلاد في حال فوز مارين لوبان بالرئاسة.
وأظهرت النتائج أن 46% من المستطلعين المسلمين أجابوا بأنهم قد يفكرون في الرحيل، وهي نسبة مرتفعة تعكس أن احتمال وصول زعيمة التجمع الوطني لا يُنظر إليه لدى هذه الفئة باعتباره مجرد انتقال عادي للسلطة، بل حدثًا قد يؤثر مباشرة في حياتهم وموقعهم داخل المجتمع.
وترتبط هذه المخاوف بالبرنامج السياسي للتجمع الوطني، الذي يدعو إلى خفض الهجرة وتشديد الرقابة على الحدود وتطبيق أكثر صرامة لمبدأ العلمانية، إلى جانب مقترحات وقيود تتعلق بالرموز الدينية في بعض المجالات العامة.
الحجاب والرموز الدينية في قلب الانقسام
يكشف الاستطلاع أيضًا أن النقاش حول الحجاب والرموز الدينية لا يزال واحدًا من أكثر الملفات تقسيمًا للرأي العام الفرنسي، إذ أظهر دعمًا معتبرًا لفرض قيود إضافية على الرموز الدينية الظاهرة في بعض الأماكن والمناسبات.
وبحسب الأرقام الواردة في الدراسة، يعارض 53% من المشاركين ارتداء الحجاب الإسلامي في بعض الفضاءات العامة، بينما يؤيد 72% حظر الرموز الدينية البارزة خلال المنافسات الرياضية.
وتمنح مثل هذه المواقف التجمع الوطني أرضية سياسية مناسبة لخطابه القائم على التشدد في قضايا الهوية والعلمانية، لكنها في الوقت نفسه تزيد شعور جزء من المسلمين بأن وصول الحزب إلى الحكم قد يترجم إلى قيود أكثر مباشرة على حياتهم اليومية.
أعمال الشغب تمنح لوبان ملف النظام الذي تريده
يأتي نشر الاستطلاع في أسوأ توقيت بالنسبة إلى حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون، إذ تعيش فرنسا واحدة من أعنف موجات الاضطرابات منذ سنوات، بعدما تحولت احتجاجات بدأت على خلفية المدارس وارتفاع تكاليف المعيشة والخدمات العامة إلى أعمال شغب ونهب وإحراق في عدد من المدن.
ووفق رويترز، شارك ما بين نحو 550 ألف و800 ألف شخص في الاحتجاجات الأخيرة، بينما شهدت بعض المناطق إحراق مبانٍ عامة ونهب متاجر ومواجهات عنيفة، وسجلت السلطات أكثر من ألف اعتقال وإصابات في صفوف قوات الأمن.
وتستفيد لوبان سياسيًا من انتقال النقاش العام من قضايا الاقتصاد والخدمات إلى الأمن والنظام والهجرة، إذ جعلت إعادة فرض النظام جزءًا أساسيًا من خطابها، واتهمت سياسات ماكرون بأنها ساهمت في خلق الأزمة الحالية.
كما تظهر استطلاعات حديثة أنها ما تزال ضمن أبرز الأسماء المرشحة للوصول إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية المقررة في 2027.
ترامب يدخل على خط الأزمة الفرنسية
امتدت الأزمة إلى خارج فرنسا أيضًا، بعدما علق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أعمال العنف وربطها بسياسة الهجرة، داعيًا باريس إلى إغلاق حدودها بسرعة.
كما انتقد نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس السياسات الأوروبية المتعلقة بالهجرة، في وقت أصبحت فيه الأحداث الفرنسية جزءًا من نقاش سياسي أوسع داخل الولايات المتحدة وأوروبا حول الحدود والاندماج والأمن.
لكن التقارير المستقلة حول الاحتجاجات تشير إلى أن أسباب الحركة أوسع من ملف الهجرة وحده، إذ بدأت الاحتجاجات من مطالب تتعلق بالمدارس والخدمات العامة وتكاليف المعيشة، قبل أن تلتحق بها مجموعات مختلفة ويتحول جزء منها إلى أعمال عنف.
لوبان أمام فرصة سياسية كبيرة
تأتي هذه التطورات بينما يعيش ماكرون الأشهر الأخيرة من ولايته وسط تراجع نفوذه السياسي وانقسام البرلمان وضغوط اقتصادية ومالية متزايدة، وهو ما يجعل أزمة الأمن الأخيرة أكثر ضررًا على معسكر الوسط.
وتقول تحليلات فرنسية ودولية إن لوبان تحاول تقديم نفسها بوصفها البديل القادر على إعادة النظام وتشديد سياسة الهجرة، بينما يسعى منافسوها إلى منع اختزال الأزمة الحالية في ملف المهاجرين وحده.
وهنا تكتسب نتيجة استطلاع المسلمين أهميتها: فبينما قد تمنح الاضطرابات لوبان دفعة بين الناخبين المطالبين بسياسات أكثر تشددًا، يشعر جزء كبير من المسلمين بأن وصولها إلى السلطة قد يجعلهم يعيدون التفكير في مستقبلهم داخل فرنسا.
انتخابات 2027 قد تتحول إلى استفتاء على هوية فرنسا
من المبكر معرفة ما إذا كان 46% من المسلمين الذين قالوا إنهم قد يفكرون في الرحيل سيترجمون هذا الشعور إلى قرار فعلي، كما أن نتيجة الانتخابات الرئاسية نفسها ما تزال غير محسومة.
لكن الاستطلاع يكشف حجم الاستقطاب الذي وصلت إليه فرنسا قبل أشهر من الانتخابات، إذ لم تعد المنافسة تدور فقط حول الضرائب أو الاقتصاد أو السياسة الخارجية، بل حول أسئلة أعمق تتعلق بالهجرة والعلمانية والهوية ومن يعتبر نفسه قادرًا على الاستمرار في العيش داخل البلد إذا تغيرت السلطة.
ومع استمرار الاضطرابات وصعود لوبان في استطلاعات الرأي، قد تصبح انتخابات 2027 واحدة من أكثر الانتخابات الفرنسية ارتباطًا بمستقبل التعايش بين مكونات المجتمع المختلفة منذ عقود.
