
تواجه شركة Phia الناشئة، التي شاركت في تأسيسها فيبي غيتس ابنة الملياردير بيل غيتس، أزمة متصاعدة بعد تقارير اتهمت الشركة باستخدام ممارسات في التسويق بالعمولة قد تؤدي إلى احتساب عمولات على مبيعات لم تكن مسؤولة فعليًا عن جلبها.
وتتركز القضية حول ما يعرف في صناعة الإعلانات باسم Cookie Stuffing أو «حشو ملفات تعريف الارتباط»، وهي ممارسة تقوم على إسقاط ملفات تتبع على جهاز المستخدم من دون أن يكون قد تفاعل فعلًا مع العرض التسويقي، بما يسمح للجهة التي زرعت الملف بالمطالبة لاحقًا بعمولة على عملية شراء ربما كانت ستحدث أصلًا من دون تدخلها.
وتزداد حساسية القضية بعدما ذكرت وكالة Bloomberg أن مسؤولي الشركة لم يكتشفوا المشكلة قبل يوم واحد فقط من إعلانها كما قالت Phia سابقًا، بل كانوا على علم منذ أشهر بوجود خصائص داخل الإضافة البرمجية تؤدي إلى احتساب عمولات في حالات لم يستخدم فيها المستهلك كوبونات الشركة.
ما هي شركة Phia؟
أسست فيبي غيتس، البالغة من العمر 23 عامًا، شركة Phia إلى جانب صوفيا كياني، زميلتها السابقة في جامعة ستانفورد، لتقديم مساعد رقمي للتسوق عبر الإنترنت.
وتعمل الخدمة أساسًا من خلال إضافة لمتصفح الإنترنت تساعد المستخدم على العثور على أكواد الخصومات والعروض أثناء التسوق، بحيث تظهر خيارات Phia عند الوصول إلى صفحات المتاجر أو مرحلة الدفع.
وعندما يستخدم المتسوق أحد أكواد الخصم التي تقترحها الشركة، يمكن لـPhia الحصول على عمولة من المتجر مقابل إحالة عملية البيع إليه، وهو نموذج تجاري معروف في التسويق بالعمولة.
وجمعت الشركة نحو 30 مليون دولار في 2025 من مستثمرين وشخصيات معروفة، من بينهم هايلي بيبر وكريس جينر ومؤسسة Spanx سارة بلاكلي، ما منح المشروع تقييمًا وحضورًا كبيرين خلال فترة قصيرة.
كيف تعمل ملفات تعريف الارتباط في التسويق بالعمولة؟
عندما ينقر المستخدم على رابط تابع لجهة تسويق أو يستخدم كوبونًا تابعًا لها، قد يتم وضع ملف تعريف ارتباط في المتصفح لتسجيل أن تلك الجهة ساهمت في إحالة المشتري.
إذا أتم المستخدم الشراء لاحقًا، يستطيع المتجر ربط الصفقة بتلك الإحالة ودفع عمولة للشريك التسويقي. المشكلة تبدأ عندما يتم زرع ملف التتبع من دون مساهمة حقيقية في قرار الشراء.
فإذا دخل العميل إلى متجر Nike مثلًا بنية الشراء أصلًا، ثم ظهرت إضافة Phia في متصفحه من دون أن يستخدمها، فإن إسقاط ملف تتبع في تلك اللحظة قد يجعل النظام ينسب البيع إلى Phia رغم أنها لم تكن السبب في وصول العميل أو إتمام الصفقة.
وهنا يتحول نموذج العمولة الطبيعي إلى ما يصفه خبراء الصناعة بـCookie Stuffing.
الشركة كانت تعرف منذ أشهر
بحسب تقرير Bloomberg، أظهرت رسائل داخلية على منصة Slack وبيانات داخلية أن مسؤولي Phia كانوا على علم منذ ديسمبر بخصائص تسمح بإسقاط ملفات التتبع بصورة أكثر اتساعًا مما يفترض.
ويخالف ذلك الانطباع الذي قدمته الشركة في يوليو عندما قالت إنها لم تعلم بالمشكلة إلا «خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية».
وأشارت الوكالة إلى أن النظام لم يكن مجرد خطأ تقني عشوائي، بل تضمن ميزة داخلية تحمل اسمًا قريبًا من enable coupon auto drop يمكن تشغيلها أو تعطيلها.
وتقول Bloomberg إن هذه الخاصية كانت تسمح في بعض الحالات بوضع ملف التتبع بمجرد ظهور إضافة Phia للمستخدم، حتى لو لم ينقر على كوبون أو يستخدم العرض.
رسالة من فيبي غيتس تثير الجدل
ورد اسم فيبي غيتس مباشرة في التقرير من خلال رسائل داخلية قالت Bloomberg إنها اطلعت عليها.
وبحسب التقرير، أبدت غيتس في ديسمبر قلقها من أن الشركة لا تحقق عمولات كافية من منصة Etsy، وطلبت من المطورين التأكد من أن ملف التتبع يتم إسقاطه عندما تظهر الإضافة للمستخدم.
وكتبت في إحدى الرسائل أنها تشعر بالقلق من أن المشكلة قد تكون أوسع، وطلبت التأكد من تفعيل «الإسقاط التلقائي» للملفات على جميع المواقع التي تتضمن كوبونات، حتى تستطيع الشركة تحقيق الدخل من إجمالي قيمة المبيعات التي تمر أمام الإضافة.
وتعد هذه الرسالة من أكثر عناصر التقرير حساسية، لأنها قد تستخدم للدلالة على أن المسألة لم تكن مجرد خلل مجهول داخل البرمجيات.
ومع ذلك، فإن وجود رسالة داخلية لا يساوي حكمًا قضائيًا، ولم توجه حتى الآن، بحسب المعطيات الواردة في التقرير، اتهامات جنائية إلى فيبي غيتس أو شريكتها.
اقتراح بإسقاط ملف حتى عند إغلاق النافذة
تحدث التقرير أيضًا عن واقعة أخرى تتعلق بصوفيا كياني، التي اقترحت وفق Bloomberg إمكانية إسقاط ملف تتبع عندما يحاول المستخدم إغلاق النافذة المنبثقة الخاصة بـPhia.
وأبلغها أحد الموظفين بأن قواعد Google Chrome تمنع إضافات المتصفح من إسقاط ملفات عمولة بمجرد حدث «الإغلاق» أو رفض الإشعار.
وبحسب الرسائل المنقولة، تراجعت كياني عن الفكرة، لكنها علقت بإمكانية تفسير السلوك باعتباره محاولة من المستخدم لفتح الإضافة إذا اشتكى أحد لاحقًا. وأكد متحدث باسم Phia أن هذه الخاصية لم تنفذ أصلًا.
51% من قيمة المبيعات المنسوبة للشركة جاءت من هذه الممارسة
من أكثر الأرقام إثارة في تقرير Bloomberg أن ممارسات إسقاط ملفات التتبع مثّلت في يونيو نحو 51% من قيمة البضائع التي ادعت Phia أنها ساهمت في بيعها.
وإذا كان هذا الرقم دقيقًا، فإنه يعني أن جزءًا كبيرًا من الإيرادات لم يكن مرتبطًا بالضرورة باستخدام واضح ومباشر لخدمات الشركة.
وتشير البيانات التي اطلعت عليها Bloomberg أيضًا إلى أن الإيرادات اليومية المتوسطة للشركة كانت تدور حول 80 ألف دولار قبل تعطيل هذه الخصائص.
وبعد إيقافها في يوليو، تراجعت الإيرادات اليومية إلى نطاق يتراوح بين 10 آلاف و28 ألف دولار تقريبًا.
وردت Phia بأن الانخفاض لم يكن ناتجًا بالكامل عن وقف Cookie Stuffing، لأن الشركة عطلت في الفترة نفسها جزءًا كبيرًا من وسائل تحقيق الدخل، معتبرة أن تحليل Bloomberg يبالغ في نسبة التأثير.
شركات كبيرة ربما دفعت عمولات غير مستحقة
تشير التقارير إلى أن الممارسة امتدت إلى مبيعات لدى متاجر وعلامات كبيرة مثل Nike وGap وNordstrom.
وهذا يعني أن الخلاف لا يقتصر على أرقام داخلية، بل يمكن أن يترتب عليه إعادة أموال إلى شركاء تجاريين إذا ثبت أن عمولات دفعت عن صفقات لم تكن Phia مسؤولة عنها بصورة مشروعة.
وقالت الشركة إنها بدأت بالفعل مراجعة جميع المعاملات وإلغاء أي عمولات نتجت عن نسب خاطئ للمبيعات، كما تعهدت بإعادة الأموال المستحقة للشركاء.
وأعلنت كذلك أنها تعتزم تعيين رئيس لقسم الامتثال لضمان عدم تكرار المشكلة.
شبكة Impact علقت التعامل مع Phia
بحسب التقرير، قامت منصة Impact.com، وهي إحدى شبكات التسويق بالعمولة التي تعاملت معها Phia، بتعليق الشركة وإعادة تخصيص بعض العمولات التي كانت ستدفع لها.
وتكشف هذه الخطوة أن القضية لم تعد مجرد نقاش إعلامي، إذ بدأت بالفعل تؤثر في العلاقات التجارية للشركة.
وقد تضطر Phia إلى إعادة مبالغ إضافية إذا تبين أن الممارسة استمرت منذ ديسمبر وحتى يوليو، أي لفترة أطول بكثير من الفترة التي كان يعتقد في البداية أنها متأثرة.
هل يمكن أن تؤدي Cookie Stuffing إلى السجن؟
أثارت المحامية أرييل غيفنر جانبًا أكثر خطورة عندما قالت إن قضايا Cookie Stuffing يمكن أن تعامل في الولايات المتحدة باعتبارها نوعًا من الاحتيال الإلكتروني الفيدرالي.
وأشارت إلى أن العقوبة القصوى في بعض قضايا الاحتيال عبر الأسلاك قد تصل إلى 20 عامًا في السجن، إضافة إلى الغرامات وإعادة الأموال. لكن هذا لا يعني أن فيبي غيتس أو صوفيا كياني تواجهان حاليًا عقوبة سجن لمدة 20 عامًا.
فالحديث هنا عن الحد الأقصى المحتمل في قضايا جنائية من هذا النوع إذا وجه الادعاء العام اتهامات وأثبتها أمام المحكمة، وهو أمر لم يحدث حتى الآن وفق المعلومات المنشورة.
ولهذا فإن العناوين التي تقول إن ابنة بيل غيتس «تواجه 20 عامًا في السجن» تتجاوز ما هو مثبت حاليًا.
اقرأ أيضا: لينكدإن يتجسس عليك إلا إذا كنت تستخدم هذه المتصفحات
شركة Phia تنفي وجود نية للإضرار بالشركاء
قال متحدث باسم الشركة إن أي خصائص تسببت في نسب خاطئ للصفقات أزيلت فورًا في 7 يوليو.
وأضاف أن Phia تراجع جميع العمليات، وبدأت بالفعل عكس المعاملات وإعادة العمولات إلى العلامات التجارية المتضررة، كما تعمل على تعزيز منظومة الامتثال داخل الشركة.
وأكدت الشركة أنها ستواصل العمل مع آلاف العلامات التجارية وتطوير خصائص جديدة مثل «الخزانة الرقمية» لتحسين تجربة التسوق للمستخدمين. ولم تعترف Phia بتعمد الاحتيال، كما لم يصدر حكم قضائي يقرر أن الشركة ارتكبت جريمة.
اقرأ أيضا: فيديو فضيحة شركة Astronomer: المدير المتزوج مع زميلته!
الأزمة تضرب صورة «النجاح بعيدًا عن أموال الأب»
تكتسب القضية اهتمامًا إضافيًا بسبب هوية فيبي غيتس نفسها. فهي ابنة بيل غيتس، أحد أغنى رجال العالم ومؤسس مايكروسوفت، لكنها تحدثت سابقًا عن رغبتها في إثبات قدرتها على النجاح بعيدًا عن اسم عائلتها وثروتها.
وقالت في تصريحات سابقة إن لديها رغبة قوية في «إثبات نفسها»، وهو ما جعل صعود Phia السريع يقدم في البداية باعتباره محاولة لبناء مشروع مستقل وليس مجرد امتداد لنفوذ والدها.
لكن الأزمة الحالية تعيد تسليط الضوء على الشركة من زاوية مختلفة تمامًا، خصوصًا مع مزاعم أن جزءًا كبيرًا من إيراداتها كان مرتبطًا بآلية احتساب عمولات مثيرة للجدل.
شركة بملايين الدولارات أمام اختبار الثقة
بنت Phia خلال فترة قصيرة قصة نجاح جذابة: مؤسستان شابتان من ستانفورد، مستثمرون مشاهير، تمويل بعشرات الملايين، وتقنية تعد بجعل التسوق عبر الإنترنت أكثر ذكاءً.
لكن نموذج التسويق بالعمولة يعتمد قبل كل شيء على الثقة في أن العمولة تذهب إلى الطرف الذي ساهم فعلًا في تحقيق الصفقة.
إذا فقدت العلامات التجارية الثقة في هذه الآلية، فإن المشكلة تتجاوز بعض المعاملات الخاطئة لتضرب أساس النشاط نفسه.
ولهذا ستكون الأسابيع المقبلة حاسمة بالنسبة إلى شركة Phia، سواء من حيث حجم الأموال التي ستعيدها للشركاء، أو نتائج المراجعات الداخلية، أو إمكانية دخول الجهات التنظيمية على الخط.
أما بالنسبة إلى فيبي غيتس، فقد تحولت رغبتها في إثبات نجاحها بعيدًا عن اسم والدها إلى اختبار أكثر صعوبة: إثبات أن الشركة التي شاركت في بنائها تستطيع تجاوز اتهامات تمس الطريقة التي حققت بها إيراداتها من الأساس.
اقرأ أيضا: إلى الآن شريحة بيل غيتس كذبة كبرى
