اسرائيل قطر مصر

لجأت مصر إلى اغلاق الأنشطة الليلية بدءا من الساعة التاسعة، وذلك لمواجهة أزمة الكهرباء والطاقة التي تعاني منها نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ومن شأن استمرار الحرب الحالية أن يدفع الحكومة المصرية إلى قطع الكهرباء بالساعات لترشيد الطاقة.

وهذه ليست المرة الأولى التي تعاني فيها مصر من أزمة الطاقة وقد تابعنا ذلك في أواخر عهد الرئيس مرسي وكذلك فترة مهمة من ولاية الرئيس عبد الفتاح السيسي.

غاز قطر وإسرائيل أساسي لمصر

قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير 2026، كانت القاهرة تعتمد على مصدرين رئيسيين للغاز المستورد: إسرائيل عبر خط أنابيب في المتوسط، وقطر عبر شحنات الغاز الطبيعي المسال، لكن الحرب أصابت المصدرين معًا في وقت واحد.

خفضت إسرائيل تدفقات الغاز إلى مصر بصورة حادة، فيما نقلت تقارير أن الإمدادات هبطت من نحو مليار قدم مكعبة يوميًا إلى قرابة 50 مليون قدم مكعبة فقط، أي تراجع يقترب من 95%، وذلك رغم أن البلدين وقّعا قبل أشهر عقدًا ضخمًا بقيمة 35 مليار دولار يمتد حتى 2040.

وتحصل مصر على الغاز الإسرائيلي بأسعار تفضيلية مميزة تبقي على أسعار الكهرباء في مصر أرخص من الكهرباء في دول مشابهة بالمنطقة.

أما قطر، التي كانت القاهرة تراهن عليها لتقليل اعتمادها على الغاز الإسرائيلي في ظل التوترات السياسية، فقد تلقت ضربة مباشرة حين استهدفت الصواريخ الإيرانية مدينة رأس لفان الصناعية، وهي قلب صناعة الغاز الطبيعي المسال في البلاد.

ووفق رويترز، أدى الهجوم إلى إخراج نحو 17% من قدرة قطر على إنتاج الغاز المسال من الخدمة، مع خسارة جزء من الإمدادات العالمية نفسها، وإعلان القوة القاهرة على صادرات الغاز، وبهذه الضربة لم تخسر مصر موردًا إضافيًا فقط، بل خسرت أيضًا “خطة التنويع” التي كانت تعتقد أنها تحميها من تقلبات العلاقة مع إسرائيل.

فاتورة واردات الطاقة تثقل مصر

رئيس الوزراء مصطفى مدبولي قال صراحة إن فاتورة واردات الطاقة المصرية تضاعفت أكثر من مرة منذ اندلاع الحرب، فيما قفزت فاتورة واردات الغاز الطبيعي وحدها من 560 مليون دولار شهريًا إلى 1.65 مليار دولار تقريبًا.

كما ارتفعت أسعار النفط من نحو 69 دولارًا للبرميل إلى أكثر من 108 دولارات في بعض الفترات، وهو ما يعني ضغطًا مباشرًا على موازنة دولة تستنزف خدمة الدين أصلًا جزءًا هائلًا من إنفاقها العام.

وحين تعجز الحكومات عن إنتاج حلول هيكلية سريعة، تلجأ عادة إلى الحل الأرخص سياسيًا والأقسى اجتماعيًا: نقل الأزمة إلى الناس. وهذا ما فعلته القاهرة بالفعل التي رفعت أسعار الوقود بنحو 17%، وفرضت إغلاقًا مبكرًا على المتاجر والمراكز التجارية والمطاعم عند التاسعة مساءً في أيام الأسبوع والعاشرة في عطلة نهاية الأسبوع، وقررت إبطاء بعض المشروعات الحكومية كثيفة استهلاك الوقود لمدة شهرين على الأقل، مع خفض مخصصات وقود السيارات الحكومية 30% وتوسيع العمل عن بعد يومًا أسبوعيًا خلال أبريل.

قد تبدو هذه الإجراءات تقنية على الورق، لكنها في الحقيقة إعلان صريح بأن الدولة لم تعد قادرة على تمويل نمط حياتها الاقتصادي المعتاد تحت ضغط الحرب.

أزمات الجيران تهدد اقتصاد مصر

إن أخطر ما في هذا المشهد ليس فقط أن القاهرة تعتمد على إسرائيل وقطر في الطاقة، بل أنها تعتمد على الإقليم كله في بقائها المالي اليومي، فالعمالة المصرية في الخليج ليست مجرد ملف اجتماعي، بل شريان عملات أجنبية.

والسياحة ليست رفاهية بل مصدر نقد حاسم، وقناة السويس ليست رمزًا قوميًّا فقط، بل موردًا تحتاجه الدولة لتسكين أوجاع ميزان المدفوعات.

التناقض المرير يكمن في أن مصر تجد نفسها اليوم تعاني من توقف إمدادات الغاز من إسرائيل – الدولة التي وقّعت معها عقداً تاريخياً قبل أشهر – ومن قطر، إحدى أبرز الدول الخليجية.

معاناة إسرائيل (بسبب الحرب) وقطر (بسبب الضربات الإيرانية) أصبحتا معاناة مصرية مباشرة، ولهذا السبب يتسابق الرئيس المصري مع الوقت لإقناع الأمريكيين والإيرانيين بضرورة إيقاف الحرب التي استقبلها الشعب المصري بفرح دون أن يدري أنها تستهدف أمنه الاقتصادي الهش.