
حياة رائد الفضاء رائعة، خاصة وأن قلة قليلة من الناس يمكنهم الوصول إلى هذه المهنة المرموقة، في مهمة فضائية، يقوم الملقب بـ “مسافر الفضاء” بتنفيذ أعمال علمية وتقنية.
على الأرض، يقضي معظم وقته في التدريب استعدادًا لمهمة فضائية، وهو سفير حقيقي لوكالته الفضائية، كما أنه يشارك في الاجتماعات والمؤتمرات الدولية فأيامه مزدحمة، ولكن كم يكسب؟ كم هو راتب رائد الفضاء في ناسا و ESA؟
راتب رائد الفضاء أقل من دخل لاعب كرة القدم
عند الحديث عن رواتب رواد الفضاء، قد يتبادر إلى أذهان الكثيرين أرقام خيالية تعكس المخاطر والتدريب الاستثنائي الذي يخضعون له، لكن الواقع يختلف كثيرًا عما يتصوره الناس.
في هذا السياق، أجاب رائد الفضاء الفرنسي توماس بيسكيه في برنامج Hugo Décrypte قائلاً: “رائد الفضاء يكسب عيشًا جيدًا، لكنه لا يكسب بقدر ما يتخيله الناس، نحن بعيدون جدًا عن رواتب لاعبي كرة القدم، على سبيل المثال”.
هذا التصريح يكشف عن الفجوة الكبيرة بين دخل رواد الفضاء وما يجنيه نجوم الرياضة، مثل لاعبي كرة القدم المحترفين، الذين غالبًا ما تُقاس رواتبهم بالملايين سنويًا.
وبشكل أكثر تحديدًا، يتقاضى رائد الفضاء أجرًا يعتمد على مهامه ورتبته وخبرته، في وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) على سبيل المثال، يُعتبر رواد الفضاء موظفين حكوميين أوروبيين، وتُحدد رواتبهم بناءً على مقياس منظم يتكون من ثلاث درجات: A2 وA3 وA4.
هذه الدرجات تعكس مستويات مختلفة من المسؤولية والخبرة، لكن حتى مع ذلك، تبقى الأرقام بعيدة كل البعد عن العوائد المالية الهائلة التي يحصل عليها لاعبو كرة القدم في الدوريات الكبرى.
بينما يمكن للاعب كرة قدم من الطراز الأول أن يحصل على عقود تتجاوز عشرات الملايين من الدولارات أو اليورو سنويًا، يظل راتب رائد الفضاء، وإن كان مجزيًا مقارنة بالمتوسط العام، ضمن نطاق أكثر تواضعًا يتماشى مع طبيعة العمل الحكومي.
رواتب رواد الفضاء: مقارنة بين ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية
تختلف رواتب رواد الفضاء بشكل كبير بناءً على الوكالة الفضائية التي يعملون لديها، وكذلك حسب خبراتهم ومهامهم. في وكالة الفضاء الأوروبية (ESA)، يبدأ رائد الفضاء في بداية مسيرته المهنية ضمن الدرجة A2 براتب صافٍ يتراوح بين 6200 و6900 يورو شهريًا، أي ما يعادل حوالي 6725 إلى 7490 دولارًا أمريكيًا بناءً على سعر الصرف الحالي في مارس 2025 (بافتراض سعر صرف تقريبي 1 يورو = 1.085 دولار).
وبعد اكتساب عدة سنوات من الخبرة، ينتقل رائد الفضاء إلى الدرجة A3، حيث يرتفع راتبه ليتراوح بين 7600 و8500 يورو شهريًا (أي ما يقارب 8246 إلى 9223 دولارًا)، وذلك وفقًا لتزايد مسؤولياته ومهامه.
أما بالنسبة للمستوى الأعلى في هذا المجال، فإن رائد الفضاء الذي أكمل مهمة فضائية ويصنف ضمن الدرجة A4 يمكنه أن يتوقع راتبًا صافيًا يتراوح بين 8900 و9700 يورو شهريًا، أي ما يعادل حوالي 9657 إلى 10525 دولارًا، حسبما أفادت وزارة أوروبا والشؤون الخارجية.
في المقابل، تقدم وكالة ناسا (NASA) رواتب تختلف قليلًا عن نظيرتها الأوروبية، مع ميزة إضافية للطيارين ذوي الخبرة العالية.
وفقًا لتوماس بيسكيه، رائد الفضاء الفرنسي الذي عمل مع كلا الوكالتين، فإن “الرواتب ليست تقريبًا نفس رواتب رواد الفضاء في وكالة الفضاء الأوروبية”، مشيرًا إلى أن طياري ناسا ذوي الخبرة يحصلون على دخل أعلى.
وبشكل محدد، يمكن لأولئك الذين لديهم ما لا يقل عن 1000 ساعة طيران، منها 850 ساعة على متن طائرة نفاثة عالية الأداء، أن يحصلوا على متوسط راتب سنوي يصل إلى 147000 يورو (حوالي 159495 دولارًا سنويًا)، أي ما يعادل نحو 12500 يورو شهريًا (13563 دولارًا تقريبًا)، وفقًا لآخر دعوات تقديم الطلبات من ناسا.
هذا الرقم يعكس تفوقًا ملحوظًا على الحد الأقصى لرواتب وكالة الفضاء الأوروبية في الدرجة A4، مما يبرز الفارق في هيكلية الأجور بين الوكالتين.
تكلفة تدريب رائد فضاء في ناسا
بينما تظهر الفجوة المالية واضحة بين رواتب رواد الفضاء ولاعبي كرة القدم، فإن النظر إلى تكاليف التدريب والإعداد يكشف عن جانب آخر من القصة. تدريب رائد فضاء واحد في وكالة ناسا أو وكالة الفضاء الأوروبية قد يكلف ملايين الدولارات، تشمل سنوات من التعليم العالي، والتدريب العلمي والجسدي المكثف، والمحاكاة في بيئات معقدة مثل محطات الفضاء أو المسابح العميقة التي تحاكي انعدام الجاذبية.
على سبيل المثال، تقدر تكلفة تدريب رائد فضاء في ناسا بحوالي 15 إلى 20 مليون دولار على مدى عدة سنوات، وفقًا لتقارير سابقة من الوكالة.
في المقابل، تكاليف تطوير لاعب كرة قدم محترف، رغم أنها قد تكون مرتفعة في أكاديميات النخبة، تعتمد غالبًا على استثمارات الأندية التي تُترجم لاحقًا إلى أرباح تجارية ضخمة من عقود الرعاية والإعلانات.
مع ذلك، فإن القيمة الحقيقية لعمل رواد الفضاء لا تُقاس فقط بالمال، فهم يساهمون في تقدم العلم والتكنولوجيا، ويفتحون آفاقًا جديدة للبشرية من خلال استكشاف الفضاء، وهو ما قد يؤثر على أجيال قادمة.
على النقيض، يقدم لاعبو كرة القدم الترفيه والإلهام لملايين المشجعين، لكن تأثيرهم يبقى في الغالب ضمن المجال الثقافي والاقتصادي المباشر.
هذا التباين يثير تساؤلاً عميقًا: هل يعكس الراتب دائمًا القيمة المجتمعية للعمل؟ بينما يحصل لاعب كرة قدم على ملايين الدولارات بفضل السوق التجاري الضخم الذي يدعم الرياضة، يظل رائد الفضاء، الذي يخاطر بحياته من أجل المعرفة الإنسانية، ضمن نطاق رواتب أكثر تواضعًا يعكس هيكلية التمويل الحكومي.
