أحمدي نجاد

دخلت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران مرحلة جديدة وأكثر خطورة، لا ترسم ملامحها الصواريخ التي تعبر الخليج ليلًا فحسب، بل أيضًا إخفاقات الدبلوماسية السرية والمخططات الخفية التي سبقت المواجهة الحالية.

ولفهم كيف وصلت المنطقة إلى هذه النقطة، لا بد من العودة إلى الطموحات التي راودت إسرائيل بعد وفاة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في تحطم مروحية في مايو 2024، وهي طموحات أثرت بهدوء في مسار الحرب قبل وقت طويل من بدء تبادل الضربات الحالي.

عندما توفي رئيسي، خرج إيرانيون للاحتفال علنًا في الشوارع، وهو رد فعل قرأه مسؤولون إسرائيليون باعتباره دليلًا على تآكل التأييد الداخلي للنظام الديني بصورة كبيرة.

ورأى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وجهاز الموساد في تلك اللحظة فرصة للدفع نحو تغيير النظام، ووضعا خطة جريئة تمحورت حول شخصية غير متوقعة: الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، الرجل نفسه الذي سبق أن أنكر المحرقة، ودعا إلى تدمير إسرائيل، ودفع البرنامج النووي الإيراني إلى الأمام خلال فترة رئاسته.

بعد مغادرته الرئاسة، خفف أحمدي نجاد من حدة خطابه، وانتقد مشكلات داخل الجمهورية الإسلامية، وبدا وكأنه فقد جزءًا من ثقته في النظام. وهي تطورات تابعتها الاستخبارات الإسرائيلية عن كثب بالتزامن مع تزايد استيائه من المرشد الأعلى علي خامنئي وشخصيات بارزة أخرى في السلطة.

وفقاً لمسؤولين أميركيين وإيرانيين مطلعين على العملية، جرت اتصالات مع أحمدي نجاد خلال رحلات له إلى غواتيمالا والمجر، كما التقى به رئيس الموساد آنذاك ديفيد برنياع شخصيًا في بودابست عام 2024، فيما يُقال إن إسرائيل تكفلت أيضًا بجزء من نفقات سفره وإقامته.

وتزايدت شكوك طهران بحلول صيف 2025، عندما عاد أحمدي نجاد من رحلة خارج البلاد قبيل ضربة إسرائيلية، ومنذ ذلك الحين وُضع قيد الإقامة الجبرية في العاصمة.

خطة إسرائيل لإسقاط النظام الإيراني

في صيف 2024، كلّف نتنياهو بإعداد مخطط رسمي لإسقاط الحكومة الإيرانية، في وقت كانت فيه الحرب في غزة تراوح مكانها، بينما كانت المخاوف من الطموحات النووية الإيرانية تتصاعد.

وحملت العملية، بحسب تقارير إسرائيلية، الاسم الرمزي Puss in Boots، وكانت تقوم على تنصيب أحمدي نجاد بعد سقوط رجال الدين، وتقديم إيران جديدة إلى العالم باعتبارها دولة أكثر اعتدالًا تخلت عن السعي لامتلاك أسلحة نووية.

وتضمنت الخطة أيضًا إثارة الاضطرابات بين الأقليات العرقية في إيران، على أن تلعب الميليشيات الكردية، بدعم من سلاح الجو الإسرائيلي، دورًا مركزيًا في العملية.

واستُلهم التصور بصورة فضفاضة من سقوط نظام بشار الأسد في سوريا أواخر عام 2024 على أيدي القوى الإسلامية التي يقودها حاليًا الرئيس أحمد الشرع، لكن الخطة واجهت منذ مراحلها الأولى معارضة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها.

فقد اعتبر رئيس الاستخبارات العسكرية شلومي بيندر ومستشار الأمن القومي تساحي هنغبي الخطة غير واقعية، بينما أوقف رئيس أركان الجيش إيال زامير الاستعدادات لتنفيذها مرتين.

وبحسب التقرير، رأى أعضاء في المجلس الوزاري الأمني أن مخطط زعزعة استقرار إيران ينطوي على تهور، لكن نتنياهو واصل الدفع به رغم ذلك، ولم تُعرض الخطة رسميًا للتصويت في أي وقت.

الموساد ينتقل من التأثير إلى الاغتيالات والضربات

عمل الموساد في البداية على توسيع نفوذه بين طبقة تجار البازار في إيران، التي اعتُبرت مؤشرًا مهمًا على اتجاهات الرأي العام، لكن بحلول منتصف 2025، تحول التركيز نحو اغتيال القيادات الدينية والعسكرية، وتنفيذ الضربات الجوية وتسليح الميليشيات.

وخلال حرب الأيام الاثني عشر في يونيو، شعر نتنياهو، وفقًا للتقرير، بتفاؤل كبير بعدما نجحت الضربات الافتتاحية وانضمت واشنطن إلى المواجهة، ما دفعه إلى الاعتقاد بأن إسقاط النظام أصبح احتمالًا حقيقيًا.

ويُقال إنه أصدر بعد ذلك بفترة قصيرة أمرًا بتنفيذ ضربة تهدف إلى قطع رأس القيادة الإيرانية.

في المقابل، أصبح هنغبي أكثر تشككًا في النهج بأكمله، حتى إنه شبّه الخطط في إحدى المراحل بأفلام الخيال العلمي.

ومع انتشار الاحتجاجات في طهران ومدن إيرانية أخرى حول مطلع العام، أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أن المساعدة قادمة، بينما ضغط نتنياهو لتسريع الجدول الزمني للعملية، لكن زامير حذر في يناير من أن إسرائيل تعطي الأولوية لاقتناص الفرصة على حساب الجاهزية.

واعترف مسؤول كبير في الموساد لاحقًا بأن الجهاز كان يعلم أنه غير مستعد بصورة كاملة، لكنه شعر بأنه مضطر للمضي قدمًا بمجرد التزام ترامب بالحرب، وهو قرار قيل إن إسقاط حكومة فنزويلا سابقًا كان له تأثير عليه.

وفي الوقت نفسه، قيل إن مستشاري ترامب أنفسهم اعتبروا سرًا خطة تغيير النظام الإيراني بعيدة عن الواقع خلال زيارة نتنياهو إلى البيت الأبيض في يناير.

إقرأ أيضا: كل ما نعرفه عن الحصار البحري الذي فرضه الحوثيون على السعودية

ميليشيات كردية وأسلحة حزب الله لتنفيذ الخطة

سلّحت إسرائيل ميليشيات كردية بأسلحة استولت عليها من حزب الله، وبدأت تدريب قادتها، وكان من المفترض أن تتقدم القوات الكردية من الغرب، وتسيطر على مدينتين ذات أغلبية كردية، ثم ترتبط بقوات إقليمية أخرى.

والهدف كان إجبار قوات النظام على الابتعاد عن طهران، بما يسمح للاحتجاجات المتجددة والضربات الجوية بإكمال المهمة، بينما يجري تجهيز أحمدي نجاد لتولي السلطة.

ولم تمنع التقديرات العسكرية، التي حذرت من أن انهيار النظام أمر غير مرجح، نتنياهو من المضي قدمًا.

وعندما أخبر المجلس الوزاري الأمني بأن أحمدي نجاد سيُنصب رئيسًا للدولة، قوبلت تصريحاته، بحسب التقرير، بالذهول، لكن الحاضرين لم يعترضوا علنًا.

إقرأ أيضا: نظرية اغتيال ليندسي غراهام عدو روسيا وإيران

مقتل خامنئي وإنقاذ أحمدي نجاد

أدت الضربة الافتتاحية على طهران في 28 فبراير إلى مقتل علي خامنئي إلى جانب عدد من كبار شخصيات القيادة الإيرانية، كما استهدفت الطائرات الإسرائيلية الحراس المكلفين بحماية مجمع أحمدي نجاد.

وفي خضم الفوضى، نُقل الرئيس الإيراني الأسبق، بحسب الرواية، في سيارة بيجو سوداء إلى منزل آمن تابع للموساد، لكن التجربة تركته في حالة من الصدمة وخيبة الأمل.

وبعد نحو أسبوع، أوقف ترامب على ما يبدو خيار استخدام القوات الكردية، وقال للصحفيين على متن طائرة الرئاسة إنه لا يريد دخول الأكراد الحرب، معتبرًا أن المواجهة معقدة بما يكفي بالفعل.

ووُضعت خطة احتياطية لتنفيذ هجوم منسق بالتزامن مع عطلة في أبريل، لكنها اعتُبرت غير قابلة للتنفيذ وتُركت، فيما فشلت عمليات أخرى بالطائرات المسيرة ضد نقاط تفتيش تابعة للنظام في فتح المجال أمام اندلاع احتجاجات.

وألقى رئيس الموساد ديفيد برنياع باللوم على فيتو ترامب ضد العملية الكردية باعتباره السبب الحاسم وراء انهيار الخطة.

لكن مصدرًا استخباراتيًا رأى أنه يستخدم هذا التفسير لحماية سمعته الشخصية، معتبرًا أن الموساد يتحمل مسؤولية كبيرة عن المبالغة في فرص نجاح العملية، فيما يتحمل نتنياهو بدوره مسؤولية تجاهل الشكوك الجدية داخل المؤسسة الأمنية.

أما أحمدي نجاد، فقد ظهر لاحقًا في قبضة الحرس الثوري، الذي أصبح على علم باتصالاته مع الاستخبارات الإسرائيلية، وشوهد مرتديًا قناعًا ومحاطًا بعناصر الأمن خلال جنازة خامنئي في طهران.

إقرأ أيضا: جنرال سعودي سابق يتوعد إيران من القناة 12 الإسرائيلية