خلال الساعات الماضية انتشر على مواقع التواصل الإجتماعي خبر مثير يقول إن كوريا الشمالية أصدرت قانونًا يجرّم إهانة النبي محمد والقرآن الكريم، في خطوة وُصفت بأنها رسالة سياسية إلى الغرب الذي يسمح بحرق المصاحف تحت شعار حرية التعبير.
المنشورات التي انتشرت بسرعة هائلة قدّمت القصة وكأنها قرار رسمي من نظام كيم جونغ أون يهدف إلى كسب تعاطف المسلمين حول العالم وإحراج الدول الأوروبية مثل السويد والدنمارك وفرنسا التي شهدت حوادث حرق المصحف في السنوات الأخيرة.
لكن السؤال الأساسي الذي يجب طرحه هنا: هل أصدرت كوريا الشمالية فعلًا قانونًا يجرّم إهانة النبي محمد؟
منشورات قانون يجرم إهانة النبي محمد والقرآن في كوريا الشمالية
المنشورات المتداولة والتي تدعي أن كوريا الشمالية تمنع إهانة النبي محمد والقرآن تزعم:
- كوريا الشمالية شرّعت قانونًا جديدًا يجرّم الإساءة للنبي محمد أو القرآن.
- القانون صدر رسميًا من حكومة كيم جونغ أون.
- الهدف هو إظهار احترام المحور الشرقي للأديان مقابل الغرب الليبرالي.
- القرار محاولة لكسب تعاطف العالم الإسلامي في الصراع الجيوسياسي العالمي.
مثال على هذا المنشور:
في خطوة غير متوقعة أربكت الحسابات السياسية الدولية، أعلنت كوريا الشمالية رسميًا عن تشريع قانون جديد يُجـ.ـرم وبشكل حازم أي إهانة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم أو المصحف الشريف.. قرار رسمي يخرج من قلب الدولة الأكثر انغلاقًا في العالم، ليفتح باب التساؤلات حول الرسائل السياسية الكامنة وراءه !
في وقت تتذرع فيه دول أوروبية (مثل السويد والدنمارك وفرنسا) بحرية التعبير للسماح بحـ..ـرق المصاحف والإساءة للمقدسات، تأتي كوريا الشمالية لتقدم نفسها كـ “حامٍ للمقدسات”، في محاولة لإحراج الغرب وإظهار زيف شعاراته أمام الشعوب المسلمة
بيونغ يانغ تدرك تمامًا ثقل الكتلة الإسلامية في الصراع العالمي الحالي.. هذا القانون ليس مجرد تشريع داخلي، بل هو رسالة دبلوماسية تهدف لكسب تعاطف المليارات من المسلمين، وتعزيز تحالفاتها مع قوى إقليمية مثل إيران في مواجهة المحور الأمريكي
يسعى كيم جونغ أون من خلال هذه القوانين لإظهار المحور الشرقي (روسيا، الصين، كوريا الشمالية) كقوى تحترم القيم والثقافات والأديان، بخلاف المحور الغربي الذي يتصادم مع معتقدات الشعوب تحت غطاء الليبرالية
وحصد المنشور على إحدى الصفحات أكثر من 50 ألف اعجاب وآلاف التعليقات التي تشيد بذلك، نادرا ما ستجد ضمنها معارضون لهذه الكذبة.
أين ظهر خبر قانون كوري يمنع إهانة النبي محمد؟
عند تتبع أصل القصة يظهر نمط واضح.
الخبر انتشر أساسًا عبر:
- منشورات فيسبوك
- حسابات على منصة X
- صفحات إخبارية غير موثوقة
وفي المقابل لا يوجد:
- بيان رسمي
- قانون منشور
- خبر في وكالة أنباء معروفة
بعبارة أخرى، القصة بدأت على مواقع التواصل ثم أعيد نشرها آلاف المرات دون تحقق، وقد لاحظنا أن الخبر حصري باللغة العربية على منصات التواصل، وهذه واحدة من الظواهر المتكررة في عصر الأخبار الرقمية، معلومة غير موثقة تتحول إلى “خبر عالمي” بمجرد إعادة نشرها بكثافة.
كوريا الشمالية تضطهد الأديان أساسا
لفهم مدى غرابة الإدعاء يجب النظر إلى الواقع المعروف عن كوريا الشمالية الملحدة والتي تعاقب على اعتناق الإسلام والمسيحية والأديان الأخرى.
تصف منظمات حقوق الإنسان البلاد بأنها:
- واحدة من أكثر الدول قمعًا للحرية الدينية في العالم
- دولة تفرض أيديولوجية سياسية بدل الدين
- تعاقب ممارسة الشعائر الدينية خارج المؤسسات الرسمية
هناك تقارير تفيد بأن المكان الوحيد لممارسة الصلاة الإسلامية في كوريا الشمالية هي السفارة الإيرانية وهذا أمر طبيعي بالنظر إلى العلاقات الوثيقة بين البلدين.
خارج هذه السفارة لا يوجد مساجد ولا أذان ولا أيا من الممارسات الإسلامية الشائعة في الدول العربية والإسلامية وحتى الدول الليبرالية مثل دول أوروبا والغرب حيث يمارس المسلمون شعائرهم بكل حرية.
هل يوجد مسلمون في كوريا الشمالية؟
وجود الإسلام في كوريا الشمالية محدود للغاية، وتشير التقديرات إلى ما يلي:
- عدد المسلمين هناك ضئيل جدًا
- معظمهم دبلوماسيون أو طلاب أجانب
- الحياة الدينية بشكل عام تخضع لرقابة الدولة
حتى المؤسسات الدينية الموجودة في البلاد غالبًا ما تُوصف بأنها مؤسسات رمزية تخضع لإشراف الحكومة وليست تعبيرًا عن حرية دينية حقيقية.
لذلك فإن فكرة أن النظام سيصدر قانونًا خاصًا لحماية مقدسات دينية محددة تبدو غير منسجمة مع طبيعة النظام نفسه.
قصة قانون كوريا الشمالية المزعوم والذي يجرم الإساءة إلى النبي محمد والقرآن تكشف مرة أخرى كيف يمكن أن تتحول منشورات غير موثقة إلى “حقائق” في نظر آلاف المستخدمين خلال ساعات قليلة.
كما أن هذه الظاهرة تنتشر في ظل شعور الملايين من المسلمين المؤدلجين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بخيبة آمل من سقوط محور الممانعة الإيراني الذي يتاجر بالقضية الفلسطينية ويكن عداء للدول ذات الغالبية السنية.

