التنين التنانين

تحتل التنانين مكانةً خاصةً في عالم المخلوقات الأسطورية، ويؤمن الملايين من الناس بسبب تأثرهم بالمسلسلات والقصص الشعبية عنها بأن التنين كائن حقيقي عاش على الأرض قبل آلاف السنين.

وقد انتشرت فكرة التنانين بين الشعوب إذ أنها راسخة من الصين إلى أوروبا وأقاصي الغرب مرور بالمنطقة كما ذكرت في بعض الكتب الدينية وعلى رأسها الكتاب المقدس.

أصل التنانين الأسطورية

وفقًا للأسطورة التي تعود للعصور الوسطى، تأسست مدينة كلاغنفورت في النمسا على مستنقع كان موطنًا لتنين ليندفورم، أو التنين عديم الأجنحة. وكان على الراغبين في الاستقرار في المنطقة التعامل مع التنين أولًا قبل تأسيس كلاغنفورت.

وكما هو متعارف عليه مع التنانين، كان هذا التنين يلتهم كل من يحاول عبور المستنقع. ولحسن الحظ، موّل دوق محلي بناء برج حجري في المستنقع. (لا تُفصّل الأسطورة المحلية كيف نجا البناة من أن يصبحوا طعامًا للتنين).

بعد اكتمال البناء، اصطاد السكان المحليون التنين من أمان البرج، مستخدمين سلسلة كخيط، وثورًا كطعم، وربما صنارة ضخمة، وفي النهاية تمكنوا من الإمساك بالوحش.

في تلك المرحلة من التاريخ، يبدو أن التنين لم يكن أكثر من مجرد ثعبان مائي ضخم ومخيف، ولكن كما هو الحال مع المخلوقات، سواء كانت بيولوجية أو أسطورية، فقد تطور.

بحلول عام 1287، كان شعار المدينة يُظهر الوحش برأس ذئب وجسم طائر وذيل ثعبان، وفي غضون بضعة قرون، نمت له أرجل، ليتحول إلى ما نعرفه اليوم بأنه تنين طائر نموذجي ينفث النار.

إقرأ أيضا: حقيقة نبوءة الماسونية بالحروب العالمية وانتصار لوسيفر

التنانين من منظور علم الأحافير

في القرن السادس عشر، عثر بعض الناس على جمجمة متحجرة ظنوا أنها تعود لتنين، مما أثبت صحة أسطورة ليندورم، لكن تبين لاحقًا أن الجمجمة تعود في الواقع إلى ماموث صوفي.

ولعل هذا الالتباس كان أصل جميع أساطير التنانين، فضلًا عن القصص المحيطة بالمخلوقات الأسطورية الأخرى.

نشأ علم الأحافير كفرع علمي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بفضل جهود علماء مثل تشارلز لايل وجورج كوفييه، لكن البشر كانوا يعثرون على الأحافير منذ أن وطأت أقدامهم الأرض، فقد كتب المؤرخ اليوناني القديم هيرودوت عن الأحافير واستنتج منها أن مصر كانت مغمورة بالمياه في يوم من الأيام (ووصف بعض العظام التي فحصها بأنها تعود إلى ثعابين مجنحة).

إلى يومنا لم يعثر البشر على جمجمة أو الأحافير التي تتطابق مع الأشكال المتداولة للتنانين في الرسوم والمخطوطات البشرية.

إقرأ أيضا: هل شركات الأدوية شريرة فعلًا؟ تفكيك نظرية بيغ فارما

من أين جاءت أسطورة التنين؟

جادلت أدريان مايور، الباحثة في الفولكلور الكلاسيكي ومؤرخة العلوم القديمة بجامعة ستانفورد، بأن القدماء ابتكروا فكرة التنانين وغيرها من المخلوقات الأسطورية بعد اكتشافهم حفريات لكائنات أقدم منها.

في كتابها “أول صائدي الحفريات”، تُبين مايور كيف أثرت الحفريات على القصص اليونانية والرومانية حول المخلوقات المنقرضة، وليس التنانين فقط، كما تُشير إلى أن فكرة العمالقة والأبطال الأسطوريين ربما تكون قد انبثقت من اكتشاف عظام ضخمة لثدييات ما قبل التاريخ.

إذا كانت مايور مُحقة، فإن التنانين ليست كائنات خيالية تمامًا. فالذين تخيلوها ورووا قصصًا عنها كانوا يتخيلون ويروون قصصًا عن حيوانات كانت تجوب الأرض في الماضي.

لكن حتى عندما كانت تلك القصص بعيدة كل البعد عن الدقة، فقد أثرت قصص أجدادنا عن التنانين وأقاربها الأسطوريين ثقافتنا، ولا شك أنها ألهمت الكثير من العلوم أيضًا.

لدينا العديد من الحيوانات التي تحمل اسم “تنين”، لكن التنانين التي تنفث النار محض خيال، باستثناء ربما بعض المؤدين الذين يتحكمون باللهب عن طريق نفث الوقود، لا يوجد في عالم الحيوان أي مخلوقات تنفث النار كالتنانين.

مع ذلك، توجد خنفساء تقترب من ذلك. تُطلق خنافس القاذفة رذاذًا ناريًا من فتحة شرجها للهروب من المفترسات، ليس نارًا بالمعنى الحرفي، لكن الخنافس تُنتج مادتي بيروكسيد الهيدروجين والهيدروكينون، اللتين تتحدان لتكوين رذاذ تصل درجة حرارته إلى حوالي 100 درجة مئوية.

إنها حيلة تطورية بارعة، ورغم عدم وجود أي دليل على أن خنافس القاذفة قد أذابت جدران القلاع، إلا أنها تجعل فكرة التنانين التي تنفث النار تبدو أقل غرابة.

إقرأ أيضا: أسباب المثلية الجنسية والتحول الجنسي في عقيدة التناسخ

هل التنانين الطائرة حقيقية؟

تمتلك مجموعة من السحالي، التي سُميت على اسم التنانين، قدرةً على الطيران، نوعًا ما.

تنزلق السحالي الطائرة، أو التنانين الطائرة، من جنس دراكو، عبر غابات جنوب شرق آسيا وجنوب غرب الهند على طيات رقيقة من الجلد تعمل كأجنحة.

لا ترفرف هذه السحالي بأجنحتها للحفاظ على طيرانها مثل الطيور أو التنانين في مسلسل صراع العروش، بل تقفز وتنزلق من شجرة إلى أخرى.

لاحظ الباحثون أن سحالي دراكو تستخدم هذه الطريقة لقطع مسافة أفقية تبلغ حوالي 26 مترًا. وهذا يُعدّ امتدادًا كبيرًا لحيوان لا يتجاوز طوله 20 سم.

لكن التنانين الطائرة الموجودة في الأساطير غير موجودة ولم يجد لها الإنسان أي أثر، ما يجعلها أسطورة من الأساطير في نهاية المطاف.

هل التنين حقيقي؟ ماذا يقول المجتمع العلمي؟

يتفق العلماء عمومًا على أن التنين مجرد أسطورة لا وجود لأي دليل مادي يؤكد أنه كان على الأرض، ومع ذلك، يبقى هناك شيء غريب في مدى انتشار هذه المخلوقات الأسطورية في الثقافة الإنسانية.

إنّ الطريقة الأكثر منطقية لتفسير وجود هذه المخلوقات هي البحث عن كائنات حقيقية ربما ألهمت هذه الأساطير، لكنّ باحثين آخرين أشاروا إلى وجود تفسير أعمق وراء إيمان العديد من الثقافات البشرية المختلفة بالتنانين، تفسير قد يكون متأصلاً في اللاوعي البشري.

التنانين الآسيوية، وخاصةً التنانين الصينية، تكاد تكون نقيضًا تامًا لنظيراتها الأوروبية، فهي أنحف، ورغم قدرتها على الطيران، إلا أنها تُصوَّر عادةً بلا أجنحة، وعلى عكس وحوش الفولكلور الأوروبي في العصور الوسطى، تُصوَّر التنانين الآسيوية عادةً على أنها أكثر لطفًا، وتُساعد الناس بجلب المطر أو الحظ السعيد، ويُقال إنها تعيش في أماكن ذات مصادر مياه دائمة، كالأنهار والغابات المطيرة والمستنقعات.

وهذا التباين الواضح في الأساطير بين الغرب والشرق يؤكد أنها أسطورة شعبية وما هي إلا إنتاجات بشرية محضة، فهذه الكائنات الأسطورية لو كانت حقيقة لكانت تتصرف على نفس النحو في الشرق والغرب في القصص الشعبية.

في جنوب شرق آسيا نجد أن التنانين مسالمة ولطيفة وتجلب الخير، وهي المنطقة التي تسود فيها الفلسفات والأديان الأقل عنفا في العالم ونتحدث عن البوذية والسيخية، لكن كلما اتجهنا غربا ووصلنا إلى الأمم التي تحتفي بالقوة والحروب تصبح التنانين أكثر عنفا وعدوانية.

إقرأ أيضا: رهاب العري (Gymnophobia): الأسباب النفسية والعلاج العلمي

مراجع اعتمدنا عليها في المقال: 1، 2، 3