حظر الوقود النووي الروسي في أوروبا والولايات المتحدة

تشتري بريطانيا وأوروبا والولايات المتحدة الوقود النووي الروسي لتشغيل المحطات النووي لتوليد الطاقة الكهربائية، وهي تريد التخلي عن موسكو في هذا المجال أيضا.

خلال الأشهر الماضية نجحت أوروبا في حظر النفط الروسي وتخفيض واردات الغاز الطبيعي إلى الحد الأدنى والتوجه للإستيراد بشكل متنامي من أذربيجان وقطر والولايات المتحدة الأمريكية والسعودية والإمارات ونيجيريا والجزائر.

وبذلك نجحت القارة الأوروبية من ورقة ضغط تهدد بها عادة روسيا الغرب الذي يدعم بقوة أوكرانيا واستطاع حتى الآن منع روسيا من السيطرة على كييف.

الخطوة التالية بالنسبة للقوى الغربية هي التخلي عن الوقود النووي الروسي الذي تستخدمه في تشغيل محطاتها النووية السلمية،

يتم استخراج اليورانيوم في جميع أنحاء العالم، لكن روسيا تمتلك حاليًا 43٪ من خدمات التخصيب في العالم، لقد حصل الأمر على هذا النحو بسبب انهيار الاتحاد السوفييتي.

كان السوفييت مهووسين بالطاقة النووية وقاموا ببناء خدمات تخصيب أكثر بكثير مما يحتاجون إليه لبناء ترسانة نووية تنافس الولايات المتحدة، ولكن بمجرد انهيارها، أصبحت هذه المصانع مفتوحة للتجارة مع الغرب، وبسبب انخفاض الأجور في روسيا حديثة النشأة وعوامل اقتصادية أخرى، كانت محطات التخصيب هذه أرخص بكثير في التشغيل من تلك التي قامت الدول الغربية المنتصرة في الحرب الباردة ببنائها.

وعلى هذا النحو، وعلى مدى عقود من الزمن، اعتمدنا الدول الغربية ببساطة على الخدمات الروسية الرخيصة واستفادت كافة الأطراف لما فيها روسيا التي تحولت إلى مصدر أساسي للوقود الأحفوري إلى أوروبا.

20% من الوقود النووي المستخدم في الولايات المتحدة يأتي من روسيا، والولايات المتحدة تدفع لشركة روساتوم (الصناعة النووية الروسية المملوكة للدولة) 100 مليون دولار شهرياً مقابل هذا الوقود.

وفي عام 2022، بعد العقوبات المفروضة على روسيا، ظل الاتحاد الأوروبي ينفق 720 مليون دولار على اليورانيوم المخصب في روسيا، وهذا يزيد بنسبة 22% عما أنفقته في عام 2021.

ولا توجد مصادر بشأن نسبة الوقود النووي الذي تأتي منه المملكة المتحدة من روسيا، ومع ذلك، فمن المرجح أن يكون على نفس مستوى الاتحاد الأوروبي، حيث اعترف المسؤولون أن موثوقيتهم فيما يتعلق بالوقود الروسي أمر مثير للقلق.

وفي ضوء حرب أوكرانيا، فإن هذا الاعتماد مثير للقلق، ليس فقط لأن بوتن قادر على استخدامها لابتزاز الغرب لحمله على وقف دعمه لأوكرانيا، بل لأن كل الأرباح من هذه الصناعة تعود إلى الكرملين (لأنها مملوكة للدولة)، وبالتالي تمول بشكل مباشر آلة بوتن الحربية.

وكانت فرنسا، التي تعتمد في المقام الأول على الطاقة النووية، أول من أدرك هذا الخطر، وأول من اتخذ إجراءات ضده، وقد وافقت شركة أورانو، وهي شركة نووية فرنسية مملوكة للدولة في الأغلب، على توسيع خدمات التخصيب بقيمة 1.7 مليار يورو لزيادة قدرتها بنسبة 30% بهدف واضح يتلخص في الحد من اعتماد فرنسا على روسيا.

وهذا مجرد توسع كافٍ لإبعاد فرنسا عن ذهب بوتين النووي، لكن هذه القدرة الجديدة لن تكون جاهزة للعمل حتى عام 2028!

والآن، تحذو المملكة المتحدة حذو فرنسا، وقد أعلنت عن ضخ نقدي بقيمة 300 مليون جنيه استرليني لتوسيع قدرتها على التخصيب، علاوة على ذلك، فإن الوقود النووي الذي ستنتجه فريد من نوعه، والمعروف باسم الوقود عالي التخصيب منخفض التخصيب (HALEU).

في حين أنه لا يزال من الممكن استخدام وقود هاليو في المفاعلات النووية العادية، فإن المفاعلات الحديثة الأكثر تقدمًا، مثل المفاعلات الصغيرة والمتوسطة والمفاعلات السريعة، لن تعمل إلا بوقود هاليو، حيث أنه يحتوي على تركيز أعلى بكثير من U235 مقارنة بالوقود النووي التقليدي، الذي تتطلبه هذه التصميمات، وهذا أمر مهم لأن المملكة المتحدة تتطلع إلى توسيع أسطولها من المفاعلات المتقدمة بشكل كبير، وحتى وقت قريب، كان بإمكانك فقط الحصول على وقود هاليو من روسيا!

وهذا يعني أن المملكة المتحدة ستكون أول دولة أوروبية تنتج الوقود النووي المتقدم، والذي يقدم العديد من الفوائد الأخرى مقارنة بالوقود النووي العادي، مثل وجود فترات أطول بين إعادة التزود بالوقود، وتقليل مستويات النفايات النووية، وإنتاج نفايات أنظف.

ومع ذلك، كما هو الحال مع مسعى فرنسا، فإن هذا ليس حلاً فوريًا؛ لن تبدأ مواقع التخصيب هذه في إنتاج الوقود حتى وقت ما في ثلاثينيات القرن الحالي، علاوة على ذلك، فإن التكلفة الإجمالية لهذا المشروع (من المتوقع إجراء المزيد من جولات التمويل في المستقبل)، أو كمية الوقود التي سينتجها فعليًا سنويًا، لا تزال غير معروفة.

بمعنى آخر، ستعتمد المملكة المتحدة على بوتين في الوقت الحالي، وإذا لم تكن مستويات إنتاج وقود هاليو عالية بما يكفي بمجرد اكتمال هذا المشروع، فقد يكون ذلك في المستقبل المنظور.

في مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ (COP28)، كانت المملكة المتحدة واحدة من أكثر من 20 دولة، بما في ذلك الولايات المتحدة وفرنسا وكوريا الجنوبية، التي وقعت مؤخرًا على تعهد بزيادة القدرة النووية العالمية ثلاث مرات بحلول عام 2050 كجزء من جهودها لخفض انبعاثات الكربون.

الغرض إذن من هذه الجهود ليس فقط الإنتقال إلى طاقة أفضل واقل تلويثا للبيئة بل أيضا التخلي بشكل نهائي على روسيا في مجال الطاقة.

إقرأ أيضا:

ثورة الطاقة الشمسية في أمريكا تهدد مكانة الغاز الطبيعي

هل يستمر انخفاض أسعار النفط خلال 2024؟

مستقبل الطاقة النووية في أوروبا بعد غزو روسيا لأوكرانيا

استثمارات السعودية والإمارات الضخمة في الطاقة المتجددة

المفاعلات النووية الصغيرة لإنتاج كهرباء نظيف بتكلفة قليلة