اليهود المغرب

منذ اللحظة الأولى التي أعلنت فيها بريطانيا الانسحاب مما يسمى فلسطين واقتراح دولة يهودية إلى جانب دولة فلسطينية فيما القدس مدينة دولية، رفض العرب هذه الخطة التي وافق عليها المجتمع الدولي حينها بقيادة كل من الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتي.

وقد شنت الدول العربية خصوصا مصر والأردن وسوريا والعراق عدوانا عسكريا على الدولة العبرية الوليدة، ولجأت الحكومات العربية السائدة إلى الخطاب الإسلامي والمسيحي المعادي لليهود واستحضرت شعارات نازية وقومية تحرض على إبادتهم.

ونتيجة لذلك تحول ما يمكن أن يكون تأسيسا لدولتين جارتين متحررتين من الإستعمار البريطاني إلى فوضى عسكرية وسياسية تسببت في تهجير اليهود من الدول العربية إلى جانب تهجير الفلسطينيين من المناطق التي خسروها في حروب العرب وإسرائيل.

إقرأ أيضا: الدين هو أساس الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وليس الحل

900 ألف يهودي غادروا الدول العربية

تشير تقديرات تاريخية متعددة إلى أن ما بين 850 ألفًا و900 ألف يهودي غادروا الدول العربية والدول ذات الأغلبية المسلمة بين أواخر الأربعينيات وبداية السبعينيات، في واحدة من أكبر التحولات الديموغرافية التي شهدها الشرق الأوسط الحديث.

وتؤكد مراجع تاريخية ومنظمات تهتم بتوثيق تاريخ يهود الشرق الأوسط أن الجاليات اليهودية التي كانت تعيش في المنطقة منذ قرون طويلة اختفت تقريبًا خلال العقود التي أعقبت قيام إسرائيل، بعدما كانت مدن مثل بغداد والقاهرة وصنعاء وفاس وتونس وطرابلس تضم مجتمعات يهودية مزدهرة اقتصاديًا وثقافيًا.

واليوم لم يبق من تلك الجاليات سوى أعداد صغيرة جدًا في معظم الدول العربية، بعد أن كانت تضم مئات آلاف الأشخاص قبل 1948.

انتهى بالكثير من هؤلاء اليهود إلى إسرائيل الحالية في خطوة يعتبرها البعض غباء من الدول العربية التي لجأت إلى التحريض ضد اليهود غير واعية بتداعيات التفريط في مواطنيها.

إقرأ أيضا: لماذا فلسطين حرة عبارة إرهابية خطيرة؟

جاليات يهودية أقدم من كثير من الدول الحديثة

قبل قيام دولة إسرائيل، كان اليهود جزءًا من النسيج الاجتماعي في العالم العربي والإسلامي منذ قرون طويلة، بل إن بعض هذه المجتمعات يعود تاريخها إلى ما قبل الفتح الإسلامي نفسه.

في العراق مثلًا، لعب اليهود دورًا اقتصاديًا وثقافيًا بارزًا داخل بغداد، بينما كان المغرب يضم واحدة من أكبر الجاليات اليهودية في العالم الإسلامي، كما وُجدت مجتمعات يهودية كبيرة في مصر واليمن وتونس والجزائر وليبيا وسوريا ولبنان.

هذه الجاليات لم تكن طارئة على المنطقة، بل كانت مرتبطة بتاريخ المدن العربية نفسها، حيث شارك اليهود في التجارة والاقتصاد والفنون والحياة الثقافية لعقود طويلة.

إقرأ أيضا: حقيقة تبرع مايا خليفة بـ10 ملايين دولار لفلسطين

كيف تغيّر كل شيء بعد 1948؟

شكّل قيام دولة إسرائيل والحرب العربية الإسرائيلية الأولى نقطة تحول ضخمة في العلاقة بين اليهود والعالم العربي.

فمع تصاعد الصراع العربي الإسرائيلي وصعود النزعة القومية العربية، بدأت أوضاع اليهود في عدد من الدول العربية تتدهور بشكل سريع، وظهرت موجات من العنف والتمييز والشك السياسي تجاههم، باعتبارهم مرتبطين بالمشروع الصهيوني أو متعاطفين معه.

وفي عدد من الدول، تعرض اليهود إلى:

  • أعمال شغب وهجمات
  • قيود سياسية وأمنية
  • مصادرة ممتلكات
  • إسقاط الجنسية
  • ضغوط دفعتهم إلى الهجرة

وفي العراق تحديدًا، أصدرت الحكومة قانونًا عام 1950 يسمح لليهود بالتخلي عن جنسيتهم مقابل مغادرة البلاد، قبل أن تُجمّد لاحقًا ممتلكات عدد كبير منهم، ما أدى إلى خروج جماعي لعشرات الآلاف في عملية عُرفت باسم “عزرا ونحميا”.

أما في مصر، فقد شهدت مرحلة ما بعد حرب 1948 ثم أزمة السويس عام 1956 تصاعدًا في الضغوط والإجراءات الأمنية ضد اليهود، ما دفع جزءًا كبيرًا منهم إلى مغادرة البلاد.

إقرأ أيضا: إسرائيل تنقذ مصر والأردن من ظلام دامس

هل كانت كل الحالات طردًا جماعيًا؟

بينما شهدت بعض الدول حالات قريبة فعلًا من التهجير القسري، كما حدث في العراق وليبيا واليمن ومصر بدرجات متفاوتة، فإن دولًا أخرى مثل المغرب وتونس والجزائر عرفت أوضاعًا أكثر تعقيدًا واختلافًا.

في المغرب مثلًا، لم يحدث “طرد جماعي رسمي” بالمعنى المباشر، لكن آلاف اليهود غادروا البلاد بسبب الخوف من المستقبل وتصاعد الصراع العربي الإسرائيلي والنزعة القومية والهجرة إلى إسرائيل وفرنسا وكندا.

أما الجزائر، فكانت حالتها مختلفة أيضًا، لأن جزءًا كبيرًا من اليهود هناك كان يحمل الجنسية الفرنسية منذ الحقبة الاستعمارية، ولذلك غادر كثيرون منهم إلى فرنسا بعد استقلال البلاد.

ولهذا يرى عدد من الباحثين أن وصف كل الحالات بأنها “طرد موحد” من العالم العربي لا يعكس التعقيد الحقيقي للأحداث التاريخية واختلاف الظروف من دولة إلى أخرى.

إقرأ أيضا: حظر أونلي فانز في إسرائيل؟ معركة قانونية تتصاعد

أرقام حول تهجير اليهود من الدول العربية

تشير تقديرات متداولة إلى أن عدد اليهود الذين غادروا بعض الدول العربية كان تقريبًا:

  • المغرب: نحو 250 ألفًا
  • العراق: نحو 135 ألفًا
  • الجزائر: نحو 140 ألفًا
  • مصر: نحو 75 ألفًا
  • اليمن: نحو 55 ألفًا
  • ليبيا: نحو 38 ألفًا
  • تونس: ما بين 50 و100 ألف تقريبًا

كما تؤكد مصادر متعددة أن المجتمعات اليهودية في هذه الدول تقلصت اليوم إلى أعداد محدودة جدًا مقارنة بما كانت عليه قبل 1948.

إقرأ أيضا: لا يمكن القضاء على اليهود واسأل الفراعنة والبابليين والروم والنازية

لماذا أصبح الملف سياسيًا إلى هذا الحد؟

قضية اليهود الذين غادروا الدول العربية تحولت خلال العقود الماضية إلى ملف سياسي شديد الحساسية.

إسرائيل تعتبر هؤلاء “لاجئين يهودًا” وتستخدم القضية في مواجهة الرواية الفلسطينية المتعلقة باللاجئين وحق العودة، بينما يرى كثير من العرب أن تل أبيب تستخدم الملف سياسيًا لمحاولة خلق توازن مع مأساة الفلسطينيين الذين هُجّروا بعد قيام إسرائيل.

لكن بعيدًا عن الجدل السياسي، تبقى الحقيقة الأساسية واضح ألا وهي أن العالم العربي شهد بالفعل اختفاء شبه كامل لجاليات يهودية تاريخية كانت موجودة فيه منذ مئات أو حتى آلاف السنين.

إقرأ أيضا: المسافة بين اليمن وإسرائيل وتاريخ المجتمع اليهودي اليمني