
ليست مشكلة إيران مع العرب وإسرائيل في الصواريخ وحدها، ولا في تخصيب اليورانيوم، ولا في تمويل الميليشيات المنتشرة من لبنان إلى اليمن.
المشكلة الأعمق أن جزءًا من هذا السلوك ليس مجرد سياسة عابرة لحكومة مؤقتة، بل يجد جذوره في نصوص دستورية صيغت بعد ثورة 1979، ثم عُدلت عام 1989، لتجعل “تصدير الثورة” و”نصرة المستضعفين” و”الجهاد في سبيل الله” جزءًا من هوية الدولة نفسها.
ولهذا، فإن أي حديث عن اتفاق نهائي مع إيران، سواء تعلق بالنووي أو الصواريخ أو نفوذ الحرس الثوري، يبقى ناقصًا إذا تجاهل السؤال الأهم: ماذا يقول دستور الجمهورية الإسلامية عن دور إيران خارج حدودها؟ وهل يمكن الوثوق بتغيير حقيقي في سلوك النظام إذا بقيت النصوص المؤسسة له كما هي؟
دستور إيران هو التهديد الحقيقي
كثيرًا ما تُقرأ شعارات مثل “الموت لأمريكا” و”الموت لإسرائيل” باعتبارها هتافات دعائية للاستهلاك الداخلي، لكن بالعودة إلى الدستور الإيراني تكشف أن الأمر أعمق من الهتاف، فالدستور، في ديباجته ومواده المتعلقة بالجيش والسياسة الخارجية، لا يقدم إيران كدولة قومية عادية تدافع عن حدودها، بل كدولة صاحبة رسالة أيديولوجية عابرة للحدود.
النص الدستوري الإيراني، كما تعرضه قاعدة Constitute Project المتخصصة في الدساتير، ينص في ديباجته على أن الجيش والحرس الثوري لا يقتصر دورهما على حماية حدود البلاد، بل يشمل أيضًا “تحقيق الرسالة العقائدية للجهاد في سبيل الله”، أي “بسط سيادة قانون الله في أنحاء العالم”.
وبالتالي فإن إيران لا تعترف بالحدود الوطنية والقومية للدول وهي إن وجدت الفرصة ستحتل دول الخليج العربي بعد أن أمسكت بزمام الأمور في اليمن والعراق ولبنان وغزة.
البند الأخطر: الجيش والحرس الثوري في مهمة عالمية
تنص ديباجة الدستور الإيراني، في الجزء الخاص بتكوين القوات المسلحة، على أن الجيش والحرس الثوري “مسؤولان ليس فقط عن حراسة وحفظ حدود البلاد”، بل أيضًا عن “الوفاء بالرسالة العقائدية للجهاد في سبيل الله”، وهي “بسط سيادة قانون الله في العالم”.
هذه الصياغة تجعل المؤسسة العسكرية الإيرانية مختلفة عن الجيوش التقليدية، فالجيوش عادة تُبنى لحماية الحدود والسيادة الوطنية، أما في الحالة الإيرانية، فإن الدستور يضع إلى جانب حماية الحدود مهمة أوسع: نشر السيادة الإلهية كما يفهمها النظام.
بالنسبة للعرب، هذا النص يفسر جانبًا من سلوك طهران في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وبالنسبة لإسرائيل، يفسر لماذا لا ترى الجمهورية الإسلامية الصراع معها مجرد نزاع جيوسياسي، بل معركة عقائدية تدخل ضمن رؤية أوسع للعالم.
“أمة واحدة”.. دستور لا يعترف بحدود السياسة الوطنية
من البنود اللافتة أيضًا أن الدستور الإيراني يتحدث عن التعاون مع الحركات الإسلامية والشعبية من أجل تمهيد الطريق لتشكيل “أمة عالمية واحدة”، مستندًا إلى آية قرآنية تتحدث عن وحدة الأمة.
وتشير نسخة الدستور المنشورة في قاعدة جامعة برن إلى أن الدستور يسعى، مع الحركات الإسلامية والشعبية الأخرى، إلى تهيئة الطريق لتشكيل مجتمع عالمي واحد، وإلى استمرار النضال من أجل تحرير “المحرومين والمستضعفين” في العالم.
على الورق، قد تبدو عبارات مثل “المستضعفين” و”المحرومين” إنسانية وبريئة، لكن في التجربة السياسية الإيرانية، تحولت هذه اللغة إلى غطاء أيديولوجي لدعم جماعات مسلحة وحركات موالية لطهران خارج الحدود، تحت شعار “المقاومة” و”نصرة المستضعفين”.
ومن المعلوم أنه عندما يتحول التعاطف مع المظلومين إلى بند دستوري مفتوح، تستطيع الدولة أن تبرر التدخل في شؤون الآخرين باعتباره واجبًا ثوريًا لا عدوانًا سياسيًا.
حق إيران في التدخل بشؤون الخليج ودول المنطقة
المادة الثالثة من الدستور الإيراني، بحسب نصوص الدستور المنشورة في مصادر دستورية متعددة، تجعل من أهداف الدولة “تنظيم السياسة الخارجية للبلاد على أساس المعايير الإسلامية، والالتزام الأخوي تجاه جميع المسلمين، والدعم غير المحدود للمستضعفين في العالم”.
هذه الجملة وحدها كافية لفهم جانب كبير من أزمة إيران مع جوارها العربي، فالدولة لا تقول إنها ستبني علاقات خارجية على أساس المصالح المتبادلة وعدم التدخل فقط، بل تضيف معيارًا أيديولوجيًا يسمح لها بالتحرك باسم المسلمين والمستضعفين، حتى داخل دول ذات سيادة.
في العالم العربي، تُترجم هذه الصياغة عمليًا إلى دعم جماعات تتجاوز الدولة الوطنية: حزب الله في لبنان، الحوثيون في اليمن، ميليشيات عراقية مسلحة، وفصائل فلسطينية مرتبطة بطهران.
وقد تكون كل حالة مختلفة في ظروفها، لكن الخيط الرابط واحد: إيران لا تتعامل مع الإقليم كحدود دول مستقلة فقط، بل كساحة نفوذ ثوري.
ومن خلال نشر التشيع في هذه الدول تكسب فعلا أنصارا يؤمنون بولاية الفقيه، ولديهم ولاء لطهران وليس لعواصم بلدانهم الوطنية.
المادة 154: دعم حركات “التحرر” مع نفي التدخل
من أكثر المواد حساسية في الدستور الإيراني المادة 154، التي تقول إن الجمهورية الإسلامية تعتبر “سعادة الإنسان في المجتمع البشري كله” مثلها الأعلى، وتدعم “النضال العادل للمستضعفين ضد المستكبرين في أي مكان من العالم”، مع تأكيدها في الوقت نفسه أنها تمتنع عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.
هذه المادة تحمل التناقض الإيراني الكلاسيكي: نفي التدخل من جهة، وفتح باب الدعم العابر للحدود من جهة أخرى. فالسؤال البديهي هنا: كيف يمكن دعم “النضال” في أي مكان من العالم دون التأثير في سيادة الدول؟ ومن يحدد أصلًا من هو “المستضعف” ومن هو “المستكبر”؟ الدولة الوطنية أم الولي الفقيه؟ الحكومة المنتخبة أم الحرس الثوري؟
في الواقع، هذه اللغة تمنح النظام مساحة هائلة للمناورة، يستطيع أن يقول إنه لا يتدخل في شؤون الدول، ثم يبرر تمويل وتسليح حلفاء محليين باعتبارهم “مستضعفين” أو “مقاومين”.
العرب أول ضحايا “تصدير الثورة”
منذ 1979، لم تكن الدول العربية تتعامل مع إيران كجار كبير فقط، بل مع نظام يرى نفسه مركزًا لثورة إسلامية يجب أن يكون لها امتداد خارجي. وهذا الامتداد لم يبقَ في الكتب والخطب، بل ظهر في الجغرافيا السياسية.
في لبنان، صار حزب الله قوة عسكرية وسياسية تتجاوز الدولة. في العراق، امتدت شبكات الميليشيات الموالية لطهران داخل الدولة وخارجها.
في اليمن، تحولت جماعة الحوثي إلى ذراع مسلحة تهدد السعودية والبحر الأحمر والملاحة الدولية. وفي سوريا، لعبت إيران دورًا حاسمًا في تثبيت نظام بشار الأسد عبر الحرس الثوري والميليشيات الحليفة.
إسرائيل في قلب العقيدة لا في هامش السياسة
بالنسبة لإسرائيل، الخطر الإيراني لا يتوقف عند برنامج نووي أو صواريخ بعيدة المدى، الخطر أن النظام الذي يطور هذه الأدوات لا يخفي عداءه الأيديولوجي لها، ويضع نفسه في موقع قائد “محور المقاومة” ضدها.
الدستور الإيراني لا يذكر إسرائيل بالاسم في البنود المشار إليها، لكنه يؤسس للمنطق الذي يجعل إسرائيل، ومعها الولايات المتحدة، العدوين المركزيين في سردية النظام: دولة ثورية، عابرة للحدود، تحمل رسالة دينية وسياسية، وتعتبر دعم الحركات المسلحة ضد “المستكبرين” واجبًا دستوريًا وأخلاقيًا.
ولهذا، حين تمول طهران حزب الله أو الجهاد الإسلامي أو حماس أو الحوثيين، فهي لا تفعل ذلك كتكتيك قصير الأمد فقط، بل بوصفه امتدادًا طبيعيًا لرؤية النظام لنفسه ودوره في العالم.
وتأمل إيران بشكل صريح في القضاء على إسرائيل، لكن الطريق ذلك يستلزم القضاء على المسلمين السنة أعداء آل البيت في العقيدة الشيعية.
