
في خضم جائحة كورونا التي فرضت قيودًا صارمة على التجمعات في أنحاء العالم، انفجرت في بروكسل إحدى أكثر الفضائح السياسية إثارةً للجدل في نهاية عام 2020، لتكشف عن تناقض صارخ بين الخطاب العام والسلوك الخاص لأحد أبرز السياسيين المجريين.
في ليلة لم يكن يتوقعها أحد، داهمت الشرطة البلجيكية شقة في وسط العاصمة الأوروبية بعد ورود بلاغات عن خرق حظر التجمعات المفروض بسبب الجائحة.
لكن ما اكتشفته الشرطة فاق كل التوقعات: حفلة جنسية تضم أكثر من عشرين رجلاً، وفي خضم الفوضى، حاول أحد الحاضرين الهروب عبر أنبوب تصريف المياه، ليتبين لاحقًا أنه جوزيف سايير، عضو بارز في البرلمان الأوروبي وأحد أعمدة حزب “فيدس” الحاكم في المجر.
لم تكن هذه الحادثة مجرد مخالفة إجراءات الإغلاق، بل الفضيحة التي كشفت نفاقًا سياسيًا عميقًا، حيث وجد الرجل الذي كرّس حياته السياسية لمحاربة حقوق المثليين نفسه في قلب فضيحة تتعلق بحياة خاصة يعيشها في السر، تتناقض تمامًا مع خطابه العلني.
ولمن لا يعرف فإن جوزيف سايير هو أحد مؤسسي حزب “فيدس”، الذي يقوده رئيس الوزراء فيكتور أوربان، والمعروف بخطابه الشعبوي ومواقفه المحافظة المتشددة، خاصة فيما يتعلق بحقوق مجتمع الميم (+LGBTQ)، وميوله إلى روسيا بوتين.
لعب سايير دورًا رئيسيًا في صياغة دستور المجر لعام 2011، الذي حدد الزواج على أنه “اتحاد بين رجل وامرأة”، مانعًا بذلك أي إمكانية لتشريع زواج المثليين في المستقبل، كما دعم تشريعات تحظر تبني الأطفال من قبل الأزواج المثليين، مما أثر سلبًا على حياة آلاف العائلات الكويرية.
على الصعيد الأوروبي، منح وجود سايير في البرلمان الأوروبي حزب “فيدس” شرعية سياسية، وساهم في تعزيز خطاب معادٍ لحقوق المثليين، مما ألهم أحزابًا يمينية أخرى في دول أوروبية.
بمعنى آخر، لم يكن سايير مجرد سياسي يخفي ميوله الشخصية، بل كان مهندسًا لسياسات قيدت حريات المثليين ومجتمع الميم في المجر وخارجها.
هذا الإنفصام لديه في الشخصية شائع للغاية بين المحافظين والمتدينين حيث يحاربون على سبيل المثال الإباحية وتجدهم أكبر مستهلكيها وكذلك أغلبهم يحاربون العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج ثم تجدهم متورطون فيها مع نساء محافظات أخريات، أو متزوج بأكثر من امرأة ولديه علاقات مشبوهة.
تكمن الصدمة في هذه الفضيحة في المفارقة القاسية: الرجل الذي بنى مسيرته على الدفاع عن “القيم العائلية” و”التقاليد”، وشن حملات شرسة ضد حقوق المثليين، وُجد في موقف يتناقض تمامًا مع خطابه العلني.
هذه الازدواجية ليست جديدة، فقد شهد التاريخ الحديث قصصًا مشابهة لسياسيين ورجال دين وإعلاميين، بل وحتى أفراد عاديين، يعيشون حياتهم الخاصة كأشخاص مثليين أو كويريين في السر، بينما يهاجمون هذا المجتمع في العلن بخطابات مليئة بالكراهية.
وتكثر هذه الظاهرة المرضية نفسيا وعقليا في المجتمعات المحافظة التي تفرض على الأفراد العيش بطريقة محددة لذا تجدهم في الظلام بتصرفات وأفكار مختلفة، لهذا السبب لا يوجد هناك الصدق ولا الشفافية على عكس المجتمعات الليبرالية التي يعبر فيها الأفراد عن حقيقتهم دون الخوف من أي شيء.
