تعود تركيا مجددًا إلى النقطة التي لطالما شكّلت مقدمة لأزماتها النقدية وانهيار الليرة التركية خلال العقد الأخير: اتساع عجز الحساب الجاري إلى مستويات اعتبرها محللون في السابق غير قابلة للاستدامة.
وتشير أحدث بيانات ديسمبر 2025 إلى أن ما يُعرف بـ«العجز الأساسي» بعد استبعاد واردات الطاقة والذهب اتسع إلى مستويات سبقت مباشرة أزمة ميزان المدفوعات في أغسطس 2018، حين شهدت الليرة التركية انهيارًا حادًا.
اقتصاد “ساخن” قبل الانتخابات
منذ سنوات، يتبنى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سياسة تقوم على تحفيز النمو عبر توسع ائتماني متكرر، خصوصًا قبيل الاستحقاقات الانتخابية.
الفكرة بسيطة: ضخ الائتمان لإبقاء الاقتصاد في حالة نمو مرتفع، بما يعزز الرضا الشعبي ويدعم الاستقرار السياسي، غير أن هذا النمو «المُسخّن» يأتي بكلفة مرتفعة.
فعندما يعمل الاقتصاد فوق طاقته الإنتاجية، ترتفع الواردات بوتيرة أسرع من الصادرات، ما يوسع فجوة الحساب الجاري أي الفرق بين ما تنفقه الدولة على الواردات والخدمات والتحويلات، وما تجنيه من الصادرات والتدفقات الخارجية.
تركيا تعاني منذ سنوات من عجز مزمن وكبير في هذا الحساب، ما يجعلها عرضة لتقلبات حادة في سعر الصرف وأزمات متكررة في العملة.
لماذا التركيز على “العجز الأساسي”؟
عند تحليل الحساب الجاري التركي، يميّز بعض الاقتصاديين بين العجز الإجمالي والعجز «الأساسي»، ويتم احتساب الأخير عبر استبعاد بندين رئيسيين: واردات الطاقة والذهب.
الطاقة تُعد بندًا متقلبًا، إذ تتأثر بأسعار النفط والغاز العالمية، التي قد ترتفع أو تنخفض لأسباب خارجية لا تعكس بالضرورة اختلالات داخلية، أما الذهب، فيشهد طلبًا مرتفعًا في فترات تراجع الليرة وارتفاع التضخم، إذ يلجأ إليه الأفراد كملاذ لحماية مدخراتهم.
بعد استبعاد هذين البندين، يتبقى ما يُعرف بعجز تجارة السلع “الأساسي” وهو المؤشر الذي يُعتقد أنه يعكس الاختلالات الهيكلية الحقيقية في الاقتصاد التركي.
قفزة واردات غير مسبوقة منذ كورونا
بيانات ديسمبر 2025 تكشف عن ارتفاع حاد في الواردات الأساسية أي الواردات باستثناء الطاقة والذهب إلى مستويات لم تُسجل منذ موجة التحفيز الائتماني الضخم خلال جائحة كوفيد-19.
ويُظهر تحليل الصادرات مقابل الواردات الأساسية أن الفجوة بينهما اتسعت بشكل ملحوظ، ما أدى إلى تفاقم العجز الأساسي. وفي التجارب السابقة، كانت مثل هذه الطفرات في الواردات تمثل مقدمة لأزمة في ميزان المدفوعات، تنتهي غالبًا بانخفاض حاد في قيمة الليرة.
سيناريو 2018 لا يزال حاضرًا في الأذهان، حين أدى اتساع العجز الخارجي إلى ما وصفه الاقتصاديون بـ«التوقف المفاجئ» في تدفقات رأس المال، أعقبه انهيار سريع في سعر العملة وارتفاع كبير في التضخم.
انهيار الليرة التركية خلال 2026
المعضلة التي تواجهها أنقرة اليوم تكمن في العلاقة الوثيقة بين السياسة الاقتصادية والاعتبارات السياسية، فكلما ضعفت القبضة السياسية، زادت الحاجة إلى تحفيز النمو عبر الائتمان، ما يؤدي بدوره إلى اتساع العجز الخارجي.
ومع اتساع العجز، ترتفع مخاطر فقدان الثقة في العملة، فتدخل البلاد في دورة جديدة من التراجع النقدي والتضخم.
وتشير تجارب العقد الماضي إلى أن تركيا عندما تدخل «منطقة الخطر» في الحساب الجاري، غالبًا ما ينتهي الأمر بتعديل قاسٍ في سعر الصرف، يعيد التوازن عبر تقليص الواردات ورفع تكلفة الاستهلاك المحلي.
إذا استمرت وتيرة الواردات المرتفعة دون تحسن مماثل في الصادرات، فقد تجد الليرة نفسها تحت ضغط متزايد خلال الأشهر المقبلة، فالعجز الجاري الواسع يتطلب تمويلًا خارجيًا مستمرًا، سواء عبر استثمارات أو قروض. وعندما يتراجع تدفق رأس المال، تصبح العملة أول ضحية.
بعبارة أخرى، عودة العجز الأساسي إلى مستويات ما قبل أزمة 2018 تعني أن الاقتصاد التركي يقف مرة أخرى على حافة اختبار صعب، حيث يتعين الموازنة بين الحفاظ على النمو وتجنب أزمة عملة جديدة.
أفضل منصات التداول الموثوقة
| إبدأ الآن | شراء وبيع الأسهم الأمريكية | |
|---|---|---|
| إبدأ الآن | مراجعة اكسنيس | |
| إبدأ الآن | مراجعة XM | |
| إبدأ الآن | مراجعة AvaTrade |

