عندما وقف رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أمام الكنيست الإسرائيلي، لم يكن يلقي خطاب مجاملة دبلوماسية، بل كان يؤسس لتحول استراتيجي عميق في العلاقة بين الهند وإسرائيل، بين أكبر ديمقراطية من حيث عدد السكان ودولة تُعد من أكثر دول العالم تطورًا في التكنولوجيا العسكرية.
لا يمكن قراءة الزيارة التاريخية كحدث بروتوكولي، بل كنقطة انعطاف في إعادة رسم خطوط الربط بين المحيطين الهندي والمتوسطي، في لحظة يتعرض فيها النظام الدولي لضغوط غير مسبوقة بفعل الحروب الإقليمية، وصعود قوى مراجِعة، واهتزاز سلاسل الإمداد العالمية.
العلاقة بين الهند وإسرائيل عميقة رغم أنها حديثة نسبيا، منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية الكاملة عام 1992، ارتفع حجم التبادل التجاري من أقل من 200 مليون دولار إلى ما يقارب 10 مليارات دولار سنويًا في السنوات الأخيرة، وفق بيانات التجارة الثنائية.
لكن الأرقام الاقتصادية رغم أهميتها لا تعكس وحدها عمق التحول، فالهند اليوم تُعد من أكبر مستوردي السلاح الإسرائيلي، وتستحوذ في بعض الأعوام على ما يقارب 40٪ من صادرات إسرائيل الدفاعية، خصوصًا في مجالات الطائرات دون طيار، وأنظمة الدفاع الصاروخي، والرادارات المتقدمة.
هذا ليس تعاونًا تكميليًا، بل اندماجًا وظيفيًا بين قاعدة صناعية ضخمة تبحث عن التكنولوجيا، ودولة متقدمة تملك خبرة عملياتية متراكمة في بيئة أمنية معقدة.
افتتح الجلسة رئيس الكنيست أمير أوحانا بإطار مؤسسي منح الحدث طابعًا يتجاوز المجاملة السياسية.
منح مودي وسامًا برلمانيًا جديدًا لم يكن مجرد تكريم رمزي، بل إشارة إلى اعتراف إسرائيلي متزايد بثقل الهند في إعادة تشكيل النظام الدولي.
في لحظة تواجه فيها إسرائيل ضغوطًا دبلوماسية على خلفية الحرب التي اندلعت بعد هجمات 7 أكتوبر، بدا الاحتفاء بالهند رسالة مزدوجة: نحن لسنا معزولين، وشراكاتنا تتسع شرقًا.
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ذهب أبعد من المجاملة، حين وصف الهند بأنها “قوة عملاقة” وأن التعاون معها يُضاعف قدرات إسرائيل.
في المفهوم العسكري، القوة المضاعِفة هي عنصر يُعظّم أثر القدرات الأساسية، الهند توفر السوق، والعمق الديموغرافي الذي يتجاوز 1.4 مليار نسمة، والقاعدة الصناعية المتنامية ضمن مبادرة “صنع في الهند”، بينما تقدم إسرائيل الابتكار السريع، والبحث والتطوير، والخبرة في تكنولوجيا الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي.
النتيجة ليست مجرد صفقة سلاح، بل منظومة تعاون طويلة الأمد بين بلدين تربطهما علاقات دافئة وقوية تتنامى بسرعة خارقة.
في خطابه، شدد مودي على “عدم التسامح مطلقًا مع الإرهاب”، مستحضرًا تجربة بلاده مع هجمات مومباي عام 2008، وموازيًا بينها وبين ما تعرضت له إسرائيل.
وتواجه الهند تهديدات إرهابية عابرة للحدود في كشمير ومحيطها الإقليمي، وإسرائيل تواجه تهديدات من ميليشيات عسكرية مدعومة من خصوم إقليميين.
إلتقاء التجربتين يخلق أرضية مشتركة لتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتطوير تقنيات المراقبة، وتحسين أنظمة الإنذار المبكر وهذا مهم في عالم تتزايد فيه الحروب الهجينة، حيث يحتاج البلدين إلى أداة ردع لا تقل أهمية عن التحالفات التقليدية.
لكن التحول الأهم لا يكمن في الأمن فقط، بل في الجغرافيا الاستراتيجية، الهند تنظر إلى الشرق الأوسط كامتداد طبيعي لاستراتيجيتها في المحيطين الهندي والهادئ.
مبادرات مثل الممر الاقتصادي الهندي–الشرق أوسطي–الأوروبي (IMEC) تعكس رؤية تربط موانئ الهند بالخليج، ثم بإسرائيل، وصولًا إلى أوروبا.
في هذا الإطار، تتحول إسرائيل إلى عقدة تكنولوجية ومينائية تربط آسيا بالمتوسط، وإذا نجح هذا المشروع، فإنه سيخلق مسارًا بديلًا لسلاسل الإمداد يقلل الاعتماد على المسارات التقليدية عبر مناطق توتر، ويعيد توزيع مراكز الثقل التجاري.
إضافة إلى ذلك، تلعب منصة I2U2 التي تضم الهند وإسرائيل والإمارات والولايات المتحدة دورًا في هندسة شبكة تعاون مرنة، لا تقوم على تحالف عسكري رسمي، بل على مشاريع استثمارية وتكنولوجية مشتركة في مجالات الأمن الغذائي والطاقة النظيفة والبنية التحتية.
ولا يمكن أن نتجاهل توقيت زيارة مودي إلى إسرائيل فهي تحمل دلالات عميقة، لعل أبرزها أن المنطقة تمر بإعادة تموضع جيوسياسي مع تحجيم الدور الإيراني وصعود إسرائيل بفضل حماقة 7 أكتوبر، وتغير تموضع تركيا، وتنافس القوى الكبرى على النفوذ.
الهند، التي تحافظ على علاقات متوازنة مع إيران ودول الخليج وإسرائيل في آن واحد، تمارس ما يمكن وصفه بالاستقلالية الاستراتيجية.
لكنها في الوقت ذاته أظهرت تضامنًا واضحًا مع إسرائيل بعد هجمات أكتوبر، ما يعكس نضجًا في تقييمها للتهديدات المشتركة.
كما أن البعد الحضاري الذي استحضره مودي، حين أشار إلى قرون من التعايش بين الهنود واليهود داخل الهند، لم يكن مجرد تذكير تاريخي، بل توظيفًا لشرعية ثقافية تدعم الشراكة الحديثة.
العلاقات التي تستند فقط إلى المصالح قد تتبدل مع تغير المصالح، لكن حين تُدعم بسردية احترام متبادل وتبادل بشري عبر السياحة، والتعليم، وريادة الأعمال فإنها تكتسب عمقًا يصعب تفكيكه.
وما يجعل الشراكة الإسرائيلية الهندية مؤثرة عالميًا هو موقع الطرفين في خرائط النفوذ، إذ أن الهند عضو فاعل في مجموعة العشرين، وصوت متصاعد في “الجنوب العالمي”، وتتمتع بعلاقات واسعة في إفريقيا وآسيا، فيما إسرائيل حليف استراتيجي للولايات المتحدة، ومركز ابتكار تكنولوجي عالمي.
التقاطع بين هذين الموقعين يخلق محورًا يربط الديمقراطيات الآسيوية بالمتوسطية، في وقت يتعرض فيه النظام الليبرالي لضغوط من قوى سلطوية صاعدة.
السؤال ليس ما الذي ستجنيه نيودلهي أو القدس فقط، بل كيف سيؤثر هذا التقارب على موازين القوة.
إذا تعززت مشاريع الربط التجاري، وتعمق التعاون الدفاعي، وتوسعت الشراكات التكنولوجية، فإننا أمام إعادة تشكيل تدريجية لمحور يمتد من المحيط الهندي إلى البحر المتوسط.
هذا المحور لا يقوم على معاهدة دفاع مشترك، بل على شبكة مصالح متداخلة، ما يجعله أكثر مرونة وأقل عرضة للانهيار المفاجئ.
شراكة الهند وإسرائيل لم تعد قصة علاقات ثنائية، بل أصبحت جزءًا من معمار جيوسياسي أوسع يعيد تعريف الروابط بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا، وهي مهمة للغاية في عالم متغير ومتعدد الأقطاب لا تزال تقوده الولايات المتحدة الأمريكية التي تراهن بدورها على الهند كبديل للصين.

