في مارس (آذار) 2023، حين خرجت بكين لتعلن الاتفاق الثلاثي بين السعودية وإيران والصين، بدا المشهد لكثيرين وكأنه لحظة تاريخية: الصين ترعى المصالحة، السعودية تفتح صفحة جديدة، وإيران تعد باحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها.
يومها قيل إن الشرق الأوسط يدخل طورًا جديدًا، وإن منطق التهدئة سيتغلب على منطق الميليشيات، وإن طهران قررت أخيرًا أن تتصرف كدولة لا كعقيدة مسلحة، لكن الحرب الجارية اليوم، ومعها القصف الإيراني للصواريخ والمسيّرات على دول الخليج، لم تكتفِ بإضعاف صدقية ذلك الاتفاق، بل دفنته سياسيًا وأخلاقيًا، ما كان يُقدَّم بوصفه اختراقًا دبلوماسيًا كبيرًا لم يعد اليوم سوى ورقة بالية في أرشيف الخداع الإقليمي.
لقد نص البيان الثلاثي الصادر في بكين بوضوح على استئناف العلاقات الدبلوماسية، وإعادة فتح السفارات خلال مدة لا تتجاوز شهرين، والتأكيد على “احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية”.
كما نص على تفعيل اتفاق التعاون الأمني الموقع عام 2001، والاتفاق العام للتعاون في الاقتصاد والتجارة والاستثمار والتكنولوجيا والثقافة والرياضة والشباب الموقع عام 1998.
حتى الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي رحبت يومها بالاتفاق على هذا الأساس تحديدًا: الأمن، حسن الجوار، احترام السيادة، وعدم التدخل، المشكلة أن إيران لم تنتهك روح الاتفاق فقط، بل ضربت نصه في قلبه.
الذين أرادوا تصديق الرواية الصينية قالوا إن بكين نجحت حيث فشل الغرب، وإنها أثبتت أنها وسيط مسؤول قادر على إنتاج الاستقرار، لكن الاستقرار لا يُقاس بالمصافحات والصور، بل بما تفعله الدول حين تُختبر.
والاختبار الحقيقي جاء الآن: حرب أمريكية إسرائيلية على إيران، ثم رد إيراني واسع لم يقتصر على إسرائيل، بل تمدد إلى الخليج نفسه، مستهدفًا البنى التحتية المدنية والطاقة والمطارات.
الدولة التي وقعت على احترام السيادة وعدم التدخل تعاملت مع الخليج باعتباره ساحة انتقام مفتوحة، لا شريكًا في اتفاق حسن جوار، وهذا يكفي وحده لوضع اتفاق بكين كله في مزبلة التاريخ.
الأرقام في هذا السياق أكثر بلاغة من تصريحات، فبحسب حصيلة جمعتها قناة العربية أطلقت إيران على دول الخليج 4911 صاروخا ومسيرة مقابل 850 على إسرائيل، ولا تزال الأرقام في ارتفاع.
لقد أدركت دول الخليج قادة وشعوبا أن إيران جار سوء لا يرجى منها خيرا وهي تستغل هذه الحرب لضرب استقرارهم واقتصاداتهم وهو هدف طهران منذ عقود، وقد تحركت تلك الدول بطرد المسؤولين والبعثات الدبلوماسية وسحب بعثاتها من إيران.
في الأصل، كان من المفترض أن يمنح الاتفاق السعودية والخليج حدًا أدنى من الاطمئنان، أن طهران قبلت أخيرًا بمنطق الدولة، وأنها مستعدة لخفض التوتر، وأن الصين قادرة على لعب دور الضامن المعنوي لهذا التحول.
لكن ما حدث عمليًا هو العكس تمامًا، إيران استخدمت لحظة الحرب لكي تثبت أنها لم تتغير، وأن كل ما فعلته في بكين كان شراء وقت وتحسين موقع وليس مراجعة سلوك، فحتى في ذروة حاجتها إلى كسب التعاطف الدولي ضد الضربات الأمريكية والإسرائيلية، لم تتردد في قصف جيرانها العرب، هذا ليس فشلًا تكتيكيًا؛ هذا إعلان صريح بأن التوقيع في بكين لم يكن التزامًا بل مناورة.
من جهة أخرى أثبت فشل الاتفاق أن الصين لا تملك أوراقا كبرى لفرض السلام في الشرق الأوسط وهذا أمر طبيعي فهي لا تملك نفوذا حقيقيا بل هي قوة إقليمية منشغلة بمشاكلها الاقتصادية وطموحاتها ومشاكلها مع جيرانها من تايوان وكوريا الجنوبية واليابان وفيتنام والهند إضافة إلى الحرب التجارية ضد الولايات المتحدة الأمريكية.
كما أن الصين غير مستعدة لفرض السلام بقوة كما هو حال الولايات المتحدة وهي ترفض الدخول في مغامرات عسكرية كما أنها محاضرة بجيران لديهم معها صراعات حدودية برية وبحرية.

