
قارن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة بالمادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي «الناتو» في 8 أغسطس، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الاتفاق لا يستهدف دولة بعينها. كما أُحيلت التفاصيل التشغيلية إلى لجنة وزارية، ما يعني أن الهيكل السياسي للاتفاق بدأ يتشكل، بينما لا تزال قواعد التفعيل العسكري غير محسومة بالكامل.
وتحتاج المقارنة مع الناتو إلى قدر كبير من الحذر. فالمادة الخامسة نفسها لا تفرض على كل دولة عضو إرسال قوات بصورة تلقائية، بل تنص على أن كل عضو يتخذ الإجراء الذي يراه ضروريًا، وقد يشمل ذلك استخدام القوة المسلحة من دون أن يفرضها في كل حالة. وهذا يعني أن الالتزام بالدفاع الجماعي يمكن أن يكون جديًا من الناحية القانونية والسياسية، وفي الوقت نفسه يترك للحكومات هامشًا واسعًا لتحديد شكل الرد.
ومن هذا المنطلق، ينبغي قراءة بند اتفاقية مكة بالطريقة نفسها. فإذا تعرضت الرياض لهجوم صاروخي إيراني مباشر وواضح ومن دون استفزاز سابق، فستواجه إسلام آباد ضغطًا هائلًا للتحرك، وستواجه أنقرة ضغطًا مشابهًا. لكن هذا لا يعني بالضرورة دخول الطائرات الباكستانية أو التركية في حملة هجومية فوق إيران، إذ قد تعتبر مساهمات في الدفاع الجوي أو الاستخبارات أو الدعم اللوجستي وفاءً بجزء من الالتزام.
أما الحالات الأصعب، فتبدأ عندما يغيب هذا الوضوح. إذا ضربت جماعة مسلحة في اليمن منشأة سعودية باستخدام سلاح إيراني، بينما تنفي طهران أي سيطرة عملياتية على الهجوم، فهل يُعامل ذلك باعتباره هجومًا إيرانيًا، أم يبقى الهجوم منسوبًا إلى الجهة التي أطلقت السلاح؟ لا يستطيع أي بيان سياسي حسم هذه المسألة في الساعات الأولى، خصوصًا عندما تكون مسألة الإسناد نفسها جزءًا من الصراع.
باكستان واجهت هذا الاختيار من قبل
تكشف سابقة أبريل 2015 الكثير عن حدود ما يمكن أن تتوقعه الرياض من إسلام آباد. فقد طلبت السعودية من باكستان الانضمام إلى حرب اليمن بقوات قتالية، لكن البرلمان الباكستاني صوّت لصالح الحياد. وتعهدت إسلام آباد آنذاك بالدفاع عن وحدة الأراضي السعودية، لكنها رفضت الدخول في حرب قد تجرها مباشرة إلى الصراع السعودي الإيراني.
وتبدو هذه السابقة أكثر أهمية من الصور الاحتفالية المصاحبة لتوقيع أي اتفاق جديد. فباكستان تقدر علاقتها بالسعودية بدرجة كبيرة، لكنها سبق أن فرقت بوضوح بين الدفاع عن المملكة وبين الانخراط في حرب تقودها السعودية خارج حدودها. والاتفاق الجديد يضيّق مساحة المناورة هذه، لكنه لا يلغيها.
إيران دولة مجاورة لباكستان، وقد أمضت إسلام آباد خلال الفترة الماضية في محاولة الحفاظ على علاقة قابلة للإدارة معها. وفي سبتمبر 2025، أعادت الحكومتان التأكيد على هدف رفع حجم التجارة الثنائية إلى 10 مليارات دولار. وعندما اتسعت الحرب مع إيران في مارس 2026، سعت باكستان أيضًا إلى تقديم نفسها وسيطًا محتملًا، مستفيدة من احتفاظها بقنوات مع طهران في الوقت الذي كانت تعزز فيه علاقاتها مع واشنطن.
وأي حرب مباشرة بين باكستان وإيران ستدمر هذا الرصيد الدبلوماسي فورًا، كما ستحول حدودًا غربية مضطربة أصلًا إلى جبهة عسكرية جديدة، في وقت لا تزال فيه إسلام آباد تواجه ضغوطًا أمنية ثقيلة على أكثر من محور.
تركيا بدورها تملك خطوطًا حمراء
تختلف حسابات أنقرة، لكنها ليست أقل تعقيدًا. فتركيا تنافس إيران على النفوذ في عدة ساحات، لكن البلدين أمضيا سنوات في إدارة هذا التنافس من دون السماح لكل خلاف بأن يتحول إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
وتعتمد السياسة التركية تقليديًا على احتواء الصراع، لأن فوضى طويلة الأمد على الحدود الإيرانية ستفرض تكاليف مباشرة على أنقرة لا يمكن نقلها إلى طرف آخر.
وتعكس تصريحات فيدان منذ توقيع اتفاق مكة هذا الحذر بوضوح. فهو يشبه الاتفاق بالمادة الخامسة من حيث المبدأ، لكنه يصر في الوقت نفسه على أنه ليس موجهًا ضد إيران. وهذا التوازن في الخطاب ليس عرضيًا، بل يكشف أن أنقرة تريد الاحتفاظ بقيمة الردع من دون الالتزام مسبقًا بحرب تلقائية.
ويضاف إلى ذلك أن تركيا عضو في الناتو، ما يعني أنها أصبحت الآن جزءًا من نظامين للدفاع الجماعي في الوقت نفسه: نظام قائم تقوده قوى غربية، وآلية إقليمية ناشئة تشارك في بنائها. وقد يمنح ذلك أنقرة مساحة تفاوضية أوسع، لكنه يفرض عليها أيضًا مسؤولية أكبر في منع التصعيد قبل أن تتعارض التزاماتها داخل إطار مع التزاماتها داخل إطار آخر.
ولا يبدو مرجحًا أن يدخل الرئيس رجب طيب أردوغان حربًا مباشرة ضد إيران لمجرد أن السعودية دخلت أزمة معها. وقد يكون الدعم التركي كبيرًا إذا تعرضت الأراضي السعودية لهجوم واضح، لكن الانتقال من الدفاع عن المملكة إلى شن حملة هجومية على طهران سيظل قرارًا سياسيًا منفصلًا، لا يمكن أن تتخذه تلقائيًا لغة التضامن أو نصوص المعاهدة.
المشكلة الحقيقية هي خطر الانجرار إلى حرب الآخرين
تعرف نظريات التحالفات هذا الخطر بمفهوم «الانجرار» أو الوقوع في فخ الحليف. تنضم الدولة إلى تحالف لأنها تخشى أن تُترك وحيدة في مواجهة التهديد، ثم تكتشف لاحقًا أن الالتزام تجاه الحليف قد يجرها إلى حرب لم تخترها بنفسها.
السعودية تريد ضمانًا أقوى. أما باكستان وتركيا فتريدان ردع الخصوم من دون التنازل عن سيادتهما في تحديد متى وكيف تدخلان الحرب. وهنا يكمن التناقض الأساسي داخل الاتفاق.
ويظهر هذا التناقض بوضوح في السيناريوهات التي لا يبدأ فيها التصعيد من الأراضي السعودية. فقد حذرت إيران حكومات الخليج في أوائل أغسطس من أنها قد تضرب بنية تحتية إقليمية إذا شنت الولايات المتحدة ضربات جديدة ضد أهداف إيرانية. وفي الوقت نفسه، سعت الرياض إلى ردع مثل هذا الرد مع محاولة إبعاد واشنطن عن جولة تصعيد جديدة.
تخيل أن تستخدم القوات الأمريكية منشآت في الخليج لتنفيذ ضربة على إيران، ثم ترد طهران بضرب موقع داخل السعودية. عندها قد تستدعي الرياض اتفاق مكة، لكن إسلام آباد ستجد نفسها أمام سؤال أصعب: هل هي بصدد الرد على عدوان ضد حليف، أم أنها تدخل حربًا بدأت بفعل هجومي قام به طرف ثالث؟
هذا التمييز القانوني والسياسي هو جوهر المشكلة، وليس مجرد تفصيل لغوي. فهو الذي يفصل بين الدفاع الجماعي وبين الانجرار إلى حرب الحليف. وعندما تصبح الصواريخ قريبة من المدن، ستتنازع الحكومات بشدة حول من بدأ التصعيد وما الذي يُعد دفاعًا وما الذي يُعد عدوانًا، ولهذا لا يمكن التعامل مع بند واحد في الاتفاق باعتباره أمرًا تلقائيًا بالحرب.
اقرأ أيضا: جنرال هندي يهدد تركيا بعد اتفاق مكة: «سنمزقكم إربًا»
الاختبار الأول ربما بدأ بالفعل
في 9 أغسطس، وبعد يومين فقط من توقيع الاتفاق، ضربت طائرة حوثية مسيرة مصفاة أرامكو في جازان. وتمكنت السلطات السعودية من إخماد الحريق من دون تسجيل ضحايا، فيما أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن الهجوم.
لكن ارتباط الحوثيين بإيران أعاد فورًا طرح السؤال الأصعب: متى يصبح هجوم الوكيل هجومًا على مستوى الدولة الراعية؟
تحمل هذه الفجوة في الإسناد أهمية كبرى. فإذا كان كل هجوم تنفذه جماعة حليفة لطهران كافيًا لتفعيل الدفاع الجماعي ضد إيران، فقد يصبح الاتفاق أداة لتوسيع الحروب بسرعة خطيرة. أما إذا اشترط الموقعون دليلًا واضحًا على توجيه الدولة للهجوم قبل الانتقال إلى التصعيد، فسيصبح الاتفاق أكثر قابلية للإدارة، لكنه في الوقت نفسه يفقد شيئًا من الصورة التي تقدمها العناوين عن الرد التلقائي.
ولهذا أتوقع أن تبقى الاستجابات الأولى دون مستوى الحرب المباشرة كلما كان ذلك ممكنًا. يمكن لباكستان تعزيز الدفاعات الجوية السعودية، ويمكن لتركيا توسيع التنسيق العملياتي والاستخباراتي من دون استهداف الأراضي الإيرانية. وبهذه الطريقة يستطيع الاتفاق أن يثبت أن له مضمونًا عسكريًا، من دون إزالة الفاصل بين حماية السعودية ومهاجمة طهران.
قد يُنظر إلى هذا الغموض باعتباره نقطة ضعف، لكنه في الواقع ربما كان الشرط الذي جعل الاتفاق ممكنًا أصلًا. احتاجت السعودية إلى ضمان أقوى، لكن لم يكن من المنطقي أن تقدم باكستان وعدًا بدخول حرب تلقائية ضد أي دولة تدخل الرياض معها في مواجهة.
اقرأ أيضا: إيران تتلقى دعوة للانضمام إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك
