عمر كوشا

في ظل الجدل الذي أثارته أغنية “يا نبي سلام عليك” والتي نشرها عمر كوشا، الشاب المصري الملحد المقيم في كندا، يبرز سؤال أساسي: هل هذا العمل الفني الاستفزازي مجرد إساءة مجانية أم هو صرخة غضب مشروعة ضد نظام اجتماعي وسياسي يضطهد الملحدين والمفكرين الأحرار؟

عمر كوشا، البالغ من العمر 32 عاماً، لم يكن دائماً الشخصية المثيرة للجدل التي نعرفها اليوم، إذ كان في السابق “شيخاً” ملتزماً دينياً، ينشر الدعوة الإسلامية في محافظة المنوفية بمصر.

لكنه، مثل الكثير من الشباب المصريين، مر بتحول فكري جذري أدى به إلى الإلحاد، هذا التحول لم يكن سهلاً؛ فقد واجه رفضاً من أسرته وأصدقائه القدامى، بالإضافة إلى حملات تحريض وعزلة اجتماعية.

اليوم، يقيم كوشا في كندا، حيث يدير شركة عقارية، ويستخدم منصات التواصل لنشر آرائه الجريئة، بما في ذلك محاكاة ساخرة للأغاني الدينية.

أغنيته المحرفة لـ”يا نبي سلام عليك”، التي أداها أصلاً المنشد ماهر زين، أثارت غضباً جماهيرياً واسعاً، إذ غير كوشا الكلمات إلى عبارات مسيئة، مستبدلاً الصلاة بالسباب، مما اعتبره الكثيرون إساءة مباشرة للنبي محمد.

غير أن هذا التحريف ليس اعتداءً عشوائياً، بل رد فعل غاضب على تجارب شخصية ومجتمعية، كوشا نفسه أعلن في فيديو رد أنه مستعد لحذف المحتوى إذا ألغيت قوانين ازدراء الأديان في مصر وأطلق سراح السجناء السياسيين، مما يشير إلى أن عمله ليس مجرد استفزاز، بل احتجاج سياسي.

ليس كوشا وحده في مواجهة هذا الاضطهاد. في مصر، يواجه الملحدون والعلمانيون حملة منهجية من الاعتقالات والمحاكمات بتهمة “ازدراء الأديان” أو “نشر الإلحاد”.

خذوا على سبيل المثال شريف جابر، الناشط الملحد الشهير، الذي اعتقل عدة مرات منذ 2013، في نوفمبر 2025، اعتقل جابر مرة أخرى في سياق حملة أوسع على الملحدين، حيث تم اعتقال ما يصل إلى 20 شخصاً آخرين بتهم مشابهة.

جابر، الذي حكم عليه سابقاً بسنوات في السجن لـ”ازدراء الدين” و”نشر أفكار إلحادية”، يمثل نموذجاً لكيفية استخدام القوانين لقمع الرأي الحر.

في 2015، حكم عليه بالسجن لمدة عام بسبب منشورات على فيسبوك ومقاطع فيديو على يوتيوب، وفي 2018 اعتقل مرة أخرى أثناء محاولته مغادرة البلاد.

ومن المعلوم للداني والقاصي من متابعي هؤلاء أنهم لم يلجؤوا إلى العنف اللفظي، وكانت مقاطع الفيديو ومنشوراتهم لعرض آرائهم ومعتقداتهم والشكوك التي أدت بهم إلى ترك الإسلام.

وعلى عكس رجال الدين ومشاهير منصات التواصل الاجتماعي من المتدينين، لا ينشر الملحدين أفكارهم عادة باحتقار المسلمين أو وصفهم بالساقطين والحثالة والتحريض ضدهم، هذا ديدن المتدينين الذين يهاجمون كل من يخالفهم من الصوفية إلى العلمانية نحو النسوية والقرآنيين وانتهاء بالملحدين.

لقد أصبح أسلوبهم مبنيا على السخرية دون تقديم أجوبة مقنعة ويحرضون على الملحدين بالأسماء ويهمزون ويلمزون بالقتل والإعتداء الجسدي عليهم.

لا يقتصر الإضطهاد على الدولة المصرية التي لجأت إلى اعتقال هؤلاء بل إن بعض المسؤولين المتدينين وصفوهم بأنهم خطر على النظام العام والسلم الإجتماعي وهو أمر مضحك بالنظر إلى أن الإرهاب الذي عانت منه مصر هو إسلامي الطابع وليس إلحاديا.

بالطبع لا ندافع عن الإساءة الشخصية أو السباب غير أننا نتفهم لجوء الملحدين بدورهم إلى العنف اللفظي ضد المسلمين ومقدساتهم لأن من يزرع الريح يحصد العاصفة في النهاية، وما يحصل على منصات التواصل والعالم الرقمي من تدني مستوى النقاش هو أمر مؤسف.

قوانين ازدراء الأديان في مصر، التي تستخدم لقمع الملحدين، تتناقض مع المبادئ الدولية لحقوق الإنسان، فهم لا يحرضون ضد الجيش المصري ولا الحكومة ولا يتبنون أفكارا سياسية من شأنها قلب النظام العام.

من الضروري أن تراجع السلطات المصرية نفسها في هذه القضية وتضغط على الجانب الآخر كي يتوقف عن ممارسة التحريض ضد العلمانيين والملحدين والفنانين والقوميين المصريين والقرآنيين والصوفية، لأن استمرار التحريض ضدهم قد يأتي بزعزعة النظام العام فعلا.