ما أشبه محمد يسب آلهتنا بـ ملحد يسب الذات الإلهية

عندما تطالب المجتمعات المسلمة بمحاكمة الملحدين لأنهم يتطاولون على الله، أتذكر ما جاء في التراث الإسلامي وتاريخ هذا الدين من موقف مشابه اعتمدته قريش ضد دعوة النبي محمد وتطاوله على آلهتهم.

ويبدو أنه في أعماق التاريخ، تتكرر المأساة ذاتها بأشكال مختلفة، لكن جوهرها واحد: الدفاع الأعمى عن “المقدس” الذي يتحول إلى صنم يُعبَد، لا يُناقش.

عندما جاء محمد بن عبد الله يدعو إلى توحيد الله ويهاجم تلك الأصنام، صاحوا في وجهه: “محمد يسب آلهتنا!”، “محمدا يسفه آلهتنا” كان هذا الاتهام كافياً لإثارة غضبهم، فاعتبروه مجنوناً أو ساحراً أو مهدداً لاستقرار مجتمعهم الإقتصادي والإجتماعي.

اليوم، في مجتمعاتنا المسلمة، نرى الصدى نفسه: ملحد يناقش صفات الله وعيوبه الكبرى في الإسلام، فيُتهم بـ”الإساءة إلى الله”، ويُطارد بالقوانين والفتاوى والعنف الاجتماعي. أليس هذا تشابهاً ساخراً؟ كأن التاريخ يعيد نفسه، لكن مع تبادل الأدوار: قريش تدافع عن أصنامها من حجر، والمسلمون يدافعون عن “صنم الله” المجرد، الذي يُصورونه ككائن هش يحتاج إلى حراسة بشرية ضد أي نقد.

دعونا نستعرض الحجج التاريخية بدقة، مدعومة بالأدلة من السيرة النبوية والقرآن نفسه، لنكشف عن هذا التناقض الفاضح.

في البداية، كانت قريش ترفض محمداً ليس فقط لأنه يدعو إلى إله واحد، بل لأنه يهاجم مقدساتهم مباشرة، يروي ابن هشام في سيرته أن قريشاً قالت لأبي طالب، عم النبي: “إن ابن أخيك يسب آلهتنا ويُعيب ديننا ويسفه أحلامنا ويضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه”.

هذا الاتهام بالسب كان جوهر الصراع؛ لم يكن نقاشاً فلسفياً، بل دفاعاً عن هوية ثقافية مبنية على تعدد الآلهة، القرآن نفسه يسجل هذا الغضب في سورة الفرقان (آية 41-42): “وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا * إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا”، مما يظهر كيف كانوا يرون في دعوته تهديداً مباشراً لآلهتهم، التي كانت تمثل لهم الإستقرار والتجارة حول الكعبة.

الآن، انقلِبوا إلى الواقع المعاصر: في دول مثل السعودية أو مصر أو باكستان، يُعامل الملحدون أو الناقدون للدين معاملة مشابهة، قوانين “الإساءة إلى الذات الإلهية” أو “ازدراء الأديان” تُستخدم كسيف معلق فوق رؤوس أي شخص يجرؤ على سؤال مفهوم الله في الإسلام.

خذوا مثالاً: في عام 2017، حُكم على الكاتب المصري أحمد ناجي بالسجن بتهمة “ازدراء الدين” لأنه كتب رواية تنتقد بعض المفاهيم الدينية، أليس هذا صدى لقريش؟ كما كانت قريش تدافع عن اللات والعزى ومناة – أصناماً لا تتكلم ولا تُدافع عن نفسها – يدافع المسلمون اليوم عن “الله” كأنه صنم هش، يحتاج إلى شيوخ ورجال دين يحمونه من “السب”.

السخرية هنا تكمن في التناقض: الإسلام نفسه بدأ كثورة ضد التعصب للأصنام، لكنه تحول في بعض المجتمعات إلى نسخة معاصرة من ذلك التعصب، حيث يُعامل الله ككائن يُغار عليه، لا كقوة مطلقة تتجاوز النقد البشري.

ومؤخرا رأينا اعتقال الناشطة المغربية ابتسام لشكر بسبب قميص وصف الله بأنه “سحاقية”، وهو بالطبع استفزاز واضح واختبار للحدود القصوى، وبسبب الهجوم العنيف عليها اعتقلت ولا تزال تحث الحراسة النظرية.

هذا التشابه ليس مصادفة، بل نتيجة منطقية لرفض التجديد في الدين. المسيحية الغربية، على سبيل المثال، مرت بمراحل مشابهة: في العصور الوسطى، كانت الكنيسة تُحرق المهرطقين الذين ينتقدون “الذات الإلهية” في المسيحية، كما حدث مع جيوردانو برونو أو غاليليو.

لكنها تجددت عبر الإصلاح البروتستانتي والتنوير، فأصبحت أكثر قبولاً للآخر، محولة الدين إلى خيار شخصي لا يفرض بالقوة.

اليوم، في أوروبا، يمكن لملحد أن ينتقد الرب يسوع علناً دون خوف من السجن، بل يُشارك في حوارات فلسفية، في المقابل نجد عسك هذا الواقع في المجتمعات الإسلامية التي تقبع تحث الإستبداد المشروع دينيا.

يتمسكون بتفسيرات حرفية قديمة، رافضين الإصلاح الذي يسمح بحرية الإعتقاد، وهو رفض يقودها السلفيون ومعهم الإخوان وعدد من المدارس الإسلامية التقليدية، فيما المنفتحون على الإصلاح الجذري مثل القرآنيون والصوفية أقل تأثيرا على الساحة.

والحقيقة أنه إذا استمر هذا الرفض للتجديد، فسيسود الإلحاد حتماً، كما انتصر الإسلام على أصنام قريش، التاريخ يعلمنا أن الأديان التي لا تتطور تموت.

في العالم الإسلامي، يزداد عدد الملحدين يوماً بعد يوم، مدفوعين بالعلم والحرية الفكرية، كما أظهرت استطلاعات مثل تلك التي أجرتها منظمة “غالوب” في 2019، حيث أفاد 18% من الشباب العربي بأنهم غير متدينين، وهذه النسبة في تزايد مستمر.

الناس سيتركون هذا الدين إذا بقي حراسه يعاملونه كصنم يُدافع عنه بالسيف والقمع والشيطنة لا بالحجة، والدرس واضح: كما انهار تعصب قريش أمام دعوة محمد، سينهار تعصب المسلمين أمام موجة الإلحاد إذا لم يتجدد الدين ليصبح أكثر قبولاً للآخر، محترماً الحرية الدينية كحق أساسي.