باراستو أحمدي

في إيران، قد تتحول أغنية إلى ملف أمني، وقد يصبح صوت امرأة جريمة تستحق الجلد. هذا ما حدث مع المغنية الإيرانية باراستو أحمدي، التي تصدرت الأخبار بعد صدور حكم ضدها بـ74 جلدة، إلى جانب منعها من السفر وممارسة النشاط الفني لمدة عامين، بسبب حفل افتراضي ظهرت فيه وهي تغني دون حجاب.

القضية فجرت موجة غضب واسعة خارج إيران، ليس فقط لأن الحكم يتضمن عقوبة جسدية قاسية، بل لأن “الجريمة” التي عوقبت عليها الفنانة كانت ببساطة: الغناء أمام الجمهور، والظهور دون الالتزام بقواعد اللباس المفروضة على النساء في الجمهورية الإسلامية.

من هي باراستو أحمدي؟

باراستو أحمدي فنانة ومغنية إيرانية شابة، ولدت عام 1997، وتقدم أعمالًا قريبة من الموسيقى الإيرانية التقليدية والفولكلورية. بدأت شهرتها تتوسع خارج الدائرة المحلية بعد حفل بثته عبر يوتيوب في ديسمبر 2024، عُرف باسم “حفل القافلة” أو “Caravanserai Concert”، وظهر فيه فريق موسيقي صغير داخل فضاء تاريخي إيراني.

لكن الحفل لم يكن عاديًا بالنسبة للسلطات. فباراستو أحمدي ظهرت فيه دون حجاب، وغنّت أمام جمهور مختلط عبر الإنترنت، وهو أمر تعتبره السلطات الإيرانية خرقًا للقيود المفروضة على النساء في المجال العام والفني.

ما قصة الحكم بـ74 جلدة؟

بحسب تقارير دولية، أصدرت محكمة في محافظة قم حكمًا على باراستو أحمدي بالجلد 74 جلدة، مع منعها من السفر لمدة عامين، ومنعها أيضًا من ممارسة الأنشطة الفنية خلال المدة نفسها. كما شملت العقوبات ثمانية من أعضاء فريق الإنتاج والموسيقيين المرتبطين بالحفل.

الحفل الذي تسبب في القضية بُث مباشرة على يوتيوب في ديسمبر 2024، وحقّق انتشارًا واسعًا، حيث أدت فيه أحمدي أغنية وطنية تاريخية بعنوان “من دماء شباب الوطن”، وهي أغنية تحمل دلالات رمزية عميقة في الذاكرة الإيرانية.

وبدل أن يُنظر إلى الحفل كعمل فني أو أداء موسيقي، تعاملت السلطات معه باعتباره فعلًا “مخلًا” أو مخالفًا للقواعد الأخلاقية الرسمية، خاصة بسبب ظهور المغنية دون حجاب.

اعتقال سابق ثم حكم قاسٍ

لم تبدأ القصة بالحكم الأخير. ففي 14 ديسمبر 2024، اعتُقلت باراستو أحمدي بعد انتشار حفلها الافتراضي، قبل أن يُفرج عنها لاحقًا بكفالة. منظمة العفو الدولية أشارت في تقرير سابق إلى أن الفنانة احتُجزت بعد حفل مباشر ظهرت فيه دون حجاب وبفستان يكشف الكتفين، وقد حقق الفيديو ملايين المشاهدات.

ما حدث لاحقًا جعل القضية أكثر خطورة: لم تكتف السلطات بالاعتقال والتحقيق، بل تحولت الواقعة إلى حكم بالجلد والمنع من السفر والعمل الفني، في رسالة واضحة إلى الفنانات الإيرانيات: الغناء بلا حجاب ليس مجرد مخالفة اجتماعية، بل تحدٍّ سياسي وثقافي.

لماذا أغضبت أغنية واحدة النظام؟

قضية باراستو أحمدي لا تنفصل عن الصراع الطويل بين النساء الإيرانيات والسلطات حول الحجاب، الجسد، الصوت، والحق في الظهور العام.

منذ احتجاجات “امرأة، حياة، حرية” عقب وفاة مهسا أميني في 2022، أصبح خلع الحجاب أو رفض قواعده في إيران فعلًا رمزيًا ضد السلطة. لذلك لم يكن ظهور أحمدي دون حجاب مجرد تفصيل بصري، بل رسالة فنية وسياسية، حتى لو لم تعلنها هي بصراحة.

الأمر لا يتعلق فقط بالحجاب. في إيران، تواجه النساء قيودًا صارمة على الغناء المنفرد أمام جمهور مختلط، وعلى إنتاج الموسيقى وتقديمها للجمهور العام، وهو ما يجعل صوت المرأة نفسه خاضعًا للرقابة.

إقرأ أيضا: فضيحة مجتبى خامنئي: أول مرشد مثلي الجنس

حفل افتراضي هزّ الرقابة الإيرانية

المفارقة أن الحفل لم يُقم في قاعة كبرى أمام آلاف الجماهير، بل بُث عبر الإنترنت. لكن ذلك بالضبط ما جعل السلطات أكثر توترًا. فالفنانة تجاوزت الرقابة التقليدية للقاعات والتراخيص، وذهبت مباشرة إلى الجمهور عبر يوتيوب.

هذا النموذج يهدد السلطات المحافظة في إيران لأن المنصات الرقمية تمنح الفنانين مساحة أوسع للظهور، وتجعل المنع التقليدي أقل فعالية. فإذا كان بالإمكان إغلاق قاعة أو منع حفل، فإن السيطرة على فيديو ينتشر بسرعة بين ملايين المستخدمين تصبح أكثر صعوبة.

لذلك، بدا الحكم القاسي رسالة ردع لا تستهدف باراستو أحمدي وحدها، بل كل فنانة قد تفكر في استخدام الإنترنت لتجاوز القيود الرسمية.

إقرأ أيضا: فضيحة بنسنس المغربي تصل إلى الإعلام البريطاني

غضب حقوقي وفني واسع

أثار الحكم موجة انتقادات واسعة من منظمات حقوقية وفنانين ومتابعين، خصوصًا أن العقوبة تجمع بين الجلد والمنع من السفر والمنع من العمل الفني. واعتبرت تقارير حقوقية أن القضية تمثل استمرارًا لقمع حرية التعبير والفن في إيران، خاصة ضد النساء اللواتي يتحدين قواعد الحجاب الإجباري والقيود على الغناء.

كما رأى منتقدون أن الحكم يكشف خوف النظام الإيراني من الفن عندما يتحول إلى مساحة حرية، ومن صوت المرأة عندما يخرج من الإطار الذي تسمح به السلطة.

قضية باراستو أحمدي تأتي ضمن سلسلة أوسع من التضييق على الفنانين الإيرانيين. ففي السنوات الأخيرة، واجه مغنون وموسيقيون وممثلون ضغوطًا أمنية وقضائية بسبب مواقفهم من الاحتجاجات أو دعمهم لحقوق النساء.

وتشير منظمات معنية بحرية التعبير إلى أن السلطات الإيرانية تتعامل مع الموسيقى المستقلة، خصوصًا عندما ترتبط بالاحتجاج أو بالنساء، بوصفها تهديدًا سياسيًا لا مجرد نشاط فني.

إقرأ أيضا: لهذا السبب.. شقيقة رونالدو تشجع البرازيل في مونديال 2026